حلم أخضر - سقطرى: قصة النجاة من الكارثة
الرئيسيةالأخبارتحقيقاتسقطرى: قصة النجاة من الكارثة

سقطرى: قصة النجاة من الكارثة

17 كانون1/ديسمبر 2015
سوقطري أمام قاربه المدمر - تصوير: أحمد سليمان سوقطري أمام قاربه المدمر - تصوير: أحمد سليمان

تحقيق عن سقطرى متحف التراث العالمي، كيف نجت من قسوة الطبيعة؟

حلم أخضر – خاص من: ماجد التميمي | تصوير: أحمد سليمان

ظلت جزيرة سقطرى اليمنية بمنأى عن كل أشكال الصراع بسبب موقعها الجغرافي الذي عزلها عن العالم، ظلت الطبيعة هي المسيطر على كل أشكال الحياة في الجزيرة، ولهذا كانت العلاقة بين إنسان الجزيرة وتكوينها الطبيعي علاقة تماهي، فجاءت أمزجة الناس وطباعهم منساقة وفق ما تفرضه قوانين الطبيعة لا البشر.

العلاقة الجدلية تلك أفرزت واقعاً معيشياً أقل حدة وأكثر جنوحا للسلم والهدوء، ما جعل سكان سقطرى يعيشون بسلام، في رقعة جغرافية تعد جزءا رئيسيا من بلد تعصف به الصراعات والفوضى ويتعرض لأشرس حرب عدوانية منذ قرون.

خريطة سقطرى. أحمد سليمان

راقب أهالي سقطرى كل ما حدث لأرضهم، كونهم يعيشون في صقع معزول وليس بمقدورهم تغيير معادلة الحياة، ولهذا اعتادوا حياة الترقب والانتظار، كما هو دأب سكان الجزر في كل مكان.

كانت الحكومات السابقة قد قررت تسيير رحلتين أسبوعيا للجزيرة، وقد مثلت هذه الخطوة بداية لخلق حالة انسجام وشعور باليمننة، بالإضافة إلى أنها مثّلت شريان حياة ربطهم بباقي محافظات بلدهم البعيدة، ومع ذلك لم يكن لهذه الخطوة قدرة العصا السحرية بتحويل سكان الجزيرة إلى نمط الحياة الحديث بين ليلة وضحاها، بعد أن صهرتهم الحياة في تلك الجزيرة مع الطبيعة وطرقها البدائية والبسيطة.

متحف التراث الطبيعي، كما اصطلح على تسميتها من قبل منظمة اليونسكو العالمية يلخص قيمة طبيعية وثقافية هي الأندر على مستوى العالم نظراً لاحتفاظها بنمط خاص واستثنائي ليس على مستوى مكتنزاتها الطبيعية النادرة فحسب بل على مستوى لغتها وأناسها وأنماط العيش فيها.

لقد ضلت جزيرة سقطرى، القابعة في صقع معزول، عنوانا للسلام الطبيعي، ومركزا هاماً لتجارة السلع المقدسة كالبخور والمر واللبان، التي تم استخدامها في طقوس العبادات منذ بداية الألف قبل الميلاد، وهو ما جعل الناس – آنذاك – يعتقدون بقدسية المكان وبكونها أرضا باركها الإله.

قيمة بيولوجية

تركزت قيمة الجزيرة بشكل أساسي في قيمتها الطبيعية، بتنوعها البيولوجي الباذخ، إذ أظهرت كل الدراسات التصنيفية التي أجراها الباحثون والمختصون مكانة فريدة لأحيائها النباتية والحيوانية. فالكثير منها يعد مستوطنا ونادراً، فالجزيرة تعد موطنها الوحيد، كما تحتفظ الجزيرة بتنوع كبير لأحياء أخرى كالطيور والحشرات والزواحف ما جعلها بيئة نادرة وكنزا طبيعيا متفردا.

خضعت الجزيرة للكثير من الدراسات والأبحاث التصنيفية خلال العقدين المنصرمين، بعض هذه الدراسات أجراها باحثون أجانب من منظمات عالميه متخصصة في مجال الطبيعة والبيئة والأحياء, كمنظمة حماية الطيور وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وبالشراكة مع الجهات الحكومية المختصة كهيئة حماية البيئة، وأظهرت تلك الدراسات أهمية استثنائية على صعيد بيئاتها الطبيعية وتنوعها الإحيائي، فالجزيرة تضم 39 محمية لا تزال في أطوارها البدائية، كما تحتضن تجمعا نباتيا وطبياً هو الأندر على مستوى العالم، وتشير هذه الدراسات إلى وجود نحو 700 نوع من الأنواع النادرة، التي توصف بالمستوطنة إذ لا وجود لها في أي مكان آخر في العالم.

هذه الميزة الاستثنائية جعلت العالم يقرر في مؤتمره العالمي (قمة الأرض) المنعقد في مدينة ريودي جانيرو بالبرازيل عام 1992م اعتبار سقطرى واحدة من أهم تسعة مناطق عالمية لا تزال بكرا ولم تطرأ عليها أية تشوهات، وحتى في ظل الوجود البشري فيها لم تخضع لاستغلال جائر ومفرط، ولم يتم العبث بأحيائها ومقدراتها الطبيعية كما حدث في مناطق طبيعية أخرى من الوطن.

اقتلاع غابة دم الاخوين - أحمد سليمان

الجزيرة .. مشهد من الدمار

لعل أكثر ما يهدد سكان الجزر هو ذلك الجسد المائي الهائل الذي يحيط بهم، فهم في خوف متواصل من غدر الماء والطبيعة، ولطالما تسببت الكوارث الطبيعية، من أعاصير وبراكين بحرية وزلازل (تسونامي) في طمس معالم جزر بأسرها، كان آخر تلك المآسي ما تعرضت له الجزر الإندونيسية أواخر العالم 2004م من تسونامي مدمر أودى بحياة أكثر من ربع مليون من السكان.

ففي الأول من نوفمبر الماضي كانت سقطرى على موعد مع إعصار استوائي أطلق عليه "تشابالا "Cyclone Chapala وبحسب دائرة الأرصاد الجوية الهندية فإن هذا الإعصار قد تكون بفعل تشكل منطقة ضغط منخفض في المياه الدافئة لبحر العرب، تصاعدت لتتحول إلى منخفض عميق الشدة، فأحدث ذلك تكثفا سرعان ما تحول إلى عاصفة مدارية شديدة جدا من الدرجة الرابعة، وصاحب ذلك هبوب رياح قويه أدت إلى ارتفاع الأمواج إلى ما يقارب 7 أمتار، بالإضافة إلى هطول كميات كبيرة من الأمطار أحدثت فيضانات وسيول جارفة.

سبب تعرض جزيرة سقطرى لإعصارين متتاليين: "تشابالا" و"ميج" حزنا عميقا لدى اليمنيين، واعتبر القائم بأعمال رئيس مجلس إدارة الترويج السياحي الأستاذ محمد أبو طالب، تعرض الجزيرة لهذه الكارثة الطبيعية خسارة كبيرة، وتابع قائلا: "لجزيرة سقطرى خصوصية طبيعية وثقافية، فالإرث الطبيعي لها لا يزال يمثل هاجسا لدى الكثير من المهتمين والمتخصصين والسياح، ولطالما اجتذبت الجزيرة آلاف الزوار من كل الجنسيات، البعض منهم دون كتابات عنها، وكانت بطبيعة الحال تلخص واقع الجزيرة المزدحم بكل ما هو غريب وجميل وساحر، ولعل تعرض هذا المكون الطبيعي للدمار هو خسارة لليمن واليمنيين".

وأضاف أبو طالب: "لقد أحدث إعصار تشابالا وميج أضراراً بالغة في الكثير من المحميات الطبيعية، لكن ذلك لن يكون مقلقاً إذا بدأت هناك جهود مشتركة لمعالجة هذه الأضرار أقلها حماية النباتات المستوطنة والنادرة مثل شجرة دم الأخوين من الانقراض، ويقع الجهد الأكبر في هذا على عاتق الجهات الرسمية بالتعاون مع الأهالي أنفسهم في الدرجة الأولى ثم تأتي جهود المنظمات الدولية العاملة هناك".

اقتلاع غابة دم الاخوين - أحمد سليمان

راقب اليمنيون ما حدث بقلق كبير، مدركين أن أية أضرار بالغة قد تصيب الجزيرة ستمثل خسارة ثقافية بامتياز، خاصة في مثل هذا الظرف السياسي المشحون بالفوضى، إذ يخشون من التباطؤ في اتخاذ إجراءات لمعالجة الأضرار بسبب الأوضاع الحالية، وهو ما قد يؤدي إلى تلف المواطن الطبيعية لكثير من الأحياء وانحسار قيمتها عالميا بعد أن كانت في قائمة التصنيف العالمي لمواقع التراث الطبيعي.

 بطبيعة الحال، منذ أن لامست مقدمات الإعصار الجزيرة سادت حالة من الرعب والهلع بين الأهالي، فاتجه غالبية السكان إلى الكهوف رغم العواصف الشديدة والأمطار والسيول التي غشيت الجزيرة وأدخلتها في دوامة المجهول، الصحفي أحمد جمعان من أهالي الجزيرة قال: ( لقد عشنا لحظات مرعبة وكأننا كنا نتأمل فيلما خيالياً مرعباً، لكن ذلك لم يكن مهماً، وجل ما فكرنا به هو أننا نواجه مصيرنا منفردين دون غوث، وهو ما ضاعف الألم في قلوبنا، وتابع: (صحيح إننا لم نخسر كثيراً على الصعيد البشري لكن أعداداً كبيرة من الحيوانات والنباتات قد قضت بفعل هاذين الإعصارين، ناهيك عن الدمار الذي حل بالمساكن والذي بسببه سيدخل الكثير من الأهالي في حالة من التشرد واللااستقرار، وهذا بحد ذاته سيضيف معاناة حقيقية أتمنى أن لا تطول كثيراً).

اقتلاع غابة دم الاخوين - أحمد سليمان

راقب العالم ما حدث لجزر الأرخبيل جراء إعصاري تشابالا وميج، إذ أبدت الأمم المتحدة بعض الاهتمام الذي لم يرق إلى درجة الفعل، رغم القيمة الاستثنائية التي تشكلها سقطرى ومكانتها الكبيرة في السجل الأثري والثقافي والطبيعي، فقد عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية على لسان المتحدث باسمه بالقول: (تسبب الإعصار في حدوث دمار كبير، فقد دمرت الكثير من المنازل ولحقت أضرار بالغة بمعدات الصيد والماشية والبنية الأساسية والحيوية بما في ذلك محطة توليد الطاقة ومستشفى الجزيرة، وتساءل عن الأعداد الكبيرة للمشردين الذين دفعهم الإعصار للاحتماء في مناطق بعيدة مرتفعة بعد أن فقدوا منازلهم، مؤكدا أن القليل فقط من إمدادات الإغاثة وصلت الجزيرة).

على صعيد تقييم حجم الأضرار البشرية والمادية فقد أوضح العقيد عبدالله خميس مدير عمليات المحافظة أن الإحصائية الأولية تمثلت بفقدان 18 من السكان ما بين قتيل ومجهول المصير، و3129 مسكناً تدمر بشكل كلي وتدمر 2000 مسكن بشكل جزئي، في حين تم رصد 16758 مسكناً بأضرار بسيطة.

وفي أضرار الجانب الطبيعي أوردت الإحصائيات أن ما يقارب من 5561 بستاناً دمرت و16402 شجرة نخيل قد انجرفت بفعل السيول، بالإضافة إلى نفوق ما يقارب من 12000 رأس من الحيوانات.

تضرر الشعاب المرجانية

تبرز الشعاب المرجانية كقيمة سياحية وجمالية مضافة، وقد امتازت جزيرة سقطرى باحتضانها العديد من هذه المحميات، إذ تشكل محمية ديحمري البيئة الأوفر لهذه الكائنات المتنوعة والزاهية، فهناك أسماك الزينة التي تمنحها خصوصية جمالية، وتضفي عليها سحراً خاصاً يوازي ذلك الذي تشكله الشعاب المرجانية نفسها، وقد صنف البيولوجيون هذه البيئات بأنها أغنى البيئات بالموجودات الإحيائية البحرية.

تقع محمية "ديحمري" الساحلية في الشمال الشرقي للجزيرة وتحوي أكثر من 80 نوعا من الأحياء، أهمها الشعاب المرجانية التي تتنوع بين الطاولة، والمتفرعة، والمصمتة، والقشرية والناعمة، وهي أنواع تندرج ضمن العائلة المتشعبة للكائنات المرجانية، ناهيك عن أكثر من 150 نوعا من أسماك الزينة، وتعد الإطلالة من فوق تلك الصخور الجرانيتي الحمراء بداية الولوج إلى عالم متخم بالجمال والروعة والإعجاز البيولوجي.

هذه البيئات نالت نصيباً وافراً من الضرر الذي أحدثه إعصاري تشابالا وميج، فقد فتك بالكثير من أحيائها بسبب الهيجان الشديد للبحر والقوة الكبيرة التي حولت البحر الى كتل مائية صلبة وهادرة تتحرك على نحو ساحق ومرعب.

تسبب الإعصار بصنع منظر موجع ومؤلم على الشواطئ المتاخمة لهذه المحميات، إذ غطت الأحياء البحرية هذه الشواطئ في تزاحم -زاه- ملحوظ يلخص حجم الدمار الذي طالها، وقد يبدو للناظر لأول وهلة أن تلك الشواطئ مزدانة ورائعة ولكنه كان المشهد الأخير والحزين بالنسبة لتلك الأحياء الآسرة.

يصنف علماء الأحياء بيئات الشعاب المرجانية بأنها أكثر البيئات حساسية، ولهذا يوصون بضرورة حمايتها إذ يتطلب السنتيمتر الواحد منها كي ينمو إلى 15عاما، وهي فترة طويلة، لكنها حال اكتمالها تصبح مكسباً اقتصادياً وسياحياً لا يقدر بثمن.

دعوة لإنقاذ شجرة دم الأخوين

تعد أشجار دم الأخوين العلامة الفارقة التي تشير إلى هذه الجزيرة بامتياز، فهي العنوان الأبرز للجزيرة، والإرث الطبيعي الذي تشكل منذ القدم.

اجتث إعصار تشابالا كثيراً من هذه الأشجار وألقى بها على الأرض في مشهد درامي حزين، يصفه مدير مكتب البيئة بالجزيرة المهندس أحمد سعيد قائلا: (لقد كان من المحزن جدا أن نشاهد هذا العدد من نباتات دم الأخوين ملقى على الأرض، لكن فعل الطبيعة كان أقوى، وكان من الصعب جدا فعل أي شيء لتجنب ما حدث، ومع ذلك يعتريني الأمل باستعادة ما فقدناه بفعل الإعصارين، ربما سيتطلب ذلك وقتا كبيراً وجهداً مكثفا، ولكن عودة الحياة لهذه النباتات النادرة والنباتات الأخرى هو ضرورة ومطلب مهم يستحق منا هذا الجهد.

واعتبر مدير البيئة ما حدث بمثابة اختبار صعب ولكي نتجاوز هذه الصعوبة ينبغي البدء بخطوات عملية من خلال حماية الأشجار المتبقية والمبادرة إلى استزراعها وتنميتها ورعايتها حتى لا تتعرض لمخاطر الانقراض، وهذا مشروط بتعاون كل الجهات بما في ذلك أبناء الجزيرة أنفسهم.

إن السعي وراء إيجاد خطة ملزمة لإنقاذ هذا الرمز الوطني والعديد من الأنواع الطبية هو مهمة وطنية تفترض خطوات ناهضة وفاعلة، والاكتفاء بالضجيج الإعلامي سيعرض هذا المتحف الطبيعي للتلاشي وسيكون بمثابة ضربة قاصمة لمفهوم الوطنية والوطن قبل أن يكون ضربة موجعة في خاصرة التراث الطبيعي العالمي.

ترك تعليقاتك

0
أحكام وشروط.
  • لا توجد تعليقات

     

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر

الاشتراك فى النشرة البريدية

لماذا حلم أخضر؟

حلم أخضر لأن الأرض التي تخصنا بحاجة إلى حلم ينشد مستقبل خال من التلوث..ينشد العيش في بيئة نظيفة،وبعبارة أخرى:كان هذا الحلم بحاجة إلى صوت ، كي يـعـبـّر عنه.. نحن هنا في حلم أخضر، كي نعبر عن هذا الصوت، وكي نطلع الرأي العام على الحقائق، من أجل الوصول إلى ممارسات تحافظ على البيئة في اليمن.