images/logo.png
طباعة

اليمن:طاقة الرياح تعيقها البيروقراطية

01 كانون2/يناير 2013
توربينات في مزرعة رياح | الصورة: موقع علامات توربينات في مزرعة رياح | الصورة: موقع علامات

خاص | تقرير: محمد الحكيمي*

يبدو أن اليمن قررت أخيراً السير في نطاق استخدام موارد الطاقة المتجددة الوفيرة في البلاد، من أجل توليد الكهرباء التي فاقمت معاناة الحياة اليومية لدى المواطن اليمني، فالجهود الحكومية لتأمين التيار الكهربائي مؤخراً لم تعد تـنـيـر البلاد، ولعل موافقة البرلمان اليمني نهاية الأسبوع الفائت، على اتفاقية قرض لإنشاء أول مزرعة للرياح لتوليد الكهرباء في اليمن، يدفع باحتمال أن البلاد ستشق طريقها بصعوبة، في مضمار الاستخدام الذكي للطاقة المتجددة.

تبدو خدمة الكهرباء شبه مفقودة، في بلد كاليمن، وبحسب التقارير الرسمية، تفاقمت خلال الثلاث السنوات الأخيرة، مشكلة انقطاع التيار الكهربائي، حتى تحولت إلى أزمة مستمرة، نتيجة تزايد عمليات التخريب التي تشنها عناصر قبلية مسلحة، على خطوط نقل الطاقة، والتي أدت إلى خروج محطة الكهرباء الغازية عن الخدمة، نتيجة تعرضها لأكثر من 100 عملية تخريب منذ 2010، وهي تواجه حرباً بلا هوادة من قبل مجرمين، لم تتم محاكمة أحداً منهم حتى اليوم.

وبسبب ذلك، تصدرت الكهرباء، قائمة أزمات البلاد جنباً إلى جنب الأزمة السياسية والأمنية، ولعلها فاقت ذلك بالفعل، كون تكلفة إيصال الكهرباء في اليمن وصلت إلى نسبة 6.9% من متوسط الدخل القومي للفرد، وتستغرق خدمة إدخالها 35 يوماً لانجاز أربعة إجراءات، وذلك مقارنة بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي تقدّر فيه تكلفة إيصال الكهرباء بنسبة 1.3% من متوسط الدخل القومي للفرد، وتستغرق 78.9 يوماً لإنجاز 4.8 إجراء، بحسب تقرير البنك الدولي 2009.

* اليمن وقصة كهرباء الرياح

المؤتمر الصحفي لبعثة غرينسبيس في سفينة المنظمة في عدن 2007في العام 2007، بدأت فكرة إنتاج الكهرباء من الرياح في اليمن، كمشروع طموح تم طرحه، من أجل تنويع مصادر الطاقة، والحفاظ على البيئة، حين أعلنت الحكومة اليمنية بشكل غير جاد على الأرجح، الشروع في إنشاء أول مزرعة رياح في اليمن، بقدرة أولية حددتها الحكومة آنذاك بين ١٠- ١٥ ميجاوات، في منطقة "المخا" التابعة لمحافظة تعز جنوب غرب البلاد.

وفي أعقاب ذلك الإعلان الحكومي غير المتوقع، وصلت إلى ميناء "عدن" بعثة أجنبية على متن سفينة دولية، من أجل أن تبارك للحكومة اليمنية الشروع بهذا المشروع الحيوي، بقيادة الخبير الدولي"بول هورسمن"؛ مسئول حملة الطاقة المسالمة في منظمة "غرينبيس" الدولية المختصة بالشأن البيئي على مستوى العالم.

كانت تلك البعثة الدولية، تعتقد أن نوايا اليمن في هذا المشروع، نوايا خلاقة، وأنها تأتي من باب حرص رسمي على البيئة.

وحينها، أعرب الخبير"بول هورسمن"، عن ترحيب منظمة "غرينبيس"، لهذا الأمر، لكنه عبّر في المقابل عن تخوّفه من الأمر. وفي مؤتمر صحفي عقده الخبير الدولي على متن سفينة "غرينبيس"، في ميناء عدن، قال "هورسمن":"لقد أثبتت حكومة اليمن اضطلاعها بدور ريادي في المنطقة من خلال مخططاتها الهادفة إلى توسيع نطاق استخدام موارد الطاقة المتجددة والمتوافرة في البلاد. لكننا نتخوّف في الوقت نفسه من الإعلانات التي صدرت مؤخراً حول خطط تطوير الطاقة النووية".

كانت مخاوف الخبير الدولي صائبة، وان لم تكن في محلها، فقد ظل هذا المشروع الريادي، متعثراً منذ ذلك الحين، ولم يرى طريقه إلى النور طيلة الخمس السنوات الماضية، نتيجة تفشي نظام البيروقراطية وانتهاج الفساد، في الجهاز الحكومي للدولة.

وفي مطلع ديسمبر2010، أرتفع الطموح الحكومي فجأة، لدى مسئولي وزارة الكهرباء اليمنية، لتنفيذ المشروع ذاته، بعد أن وجدوا ضوءاً أخضر من مانحين دوليين، ولم يكن ذلك الطموح بدافع الحرص على البيئة أو تفادياً للاحتباس الحراري، بل لأن الحكومة اليمنية شعرت على الأرجح، بفداحة مشروع محطتها الكهربائية الهامة التي انتهت من انجازها للتو، في واحدة من أشد المناطق القبلية شراسة.

رأت الحكومة أن بقاء محطة توليد الطاقة بالغاز بين أيدي رجال القبائل في مأرب شرق العاصمة صنعاء، أمر كارثي للغاية، وأنه سيضعها أمام دوامة من المشاكل التي لا تنتهي مع رجال القبائل المسلحين، وأدركت أن شبكة الكهرباء ستدفع ثمناً باهظا، فضلاً عن أنها ستتعرض للابتزاز الدائم من قبل القبائل، في حين أن وجود مصدر للطاقة المغذية للكهرباء، في منطقة كـ"المخا"مثلاً سيكون مطمئناً، وستجذب فكرة توليدها من الرياح أنظار المانحين الدوليين، وربما فات أوان أن نسأل: لماذا لم تفكر الحكومة بكل تلك العواقب حين قررت إنشاء محطة الطاقة في مأرب؟.

بدت الاستجابة الدولية لرغبة الحكومة اليمنية سريعة، وأعلن الصندوق العربي للإنماء ومعه البنك الدولي، استعدادهما للمساهمة في تمويل مزرعة الرياح تلك بطاقة 60 ميجاوات هذه المرة، وبمبلغ 55 مليون دولار، من إجمالي كلفة المشروع البالغة 125 مليون دولار.

لكن، سرعان ما تعثر مشروع مزرعة الرياح مجددا،ً بعد أسابيع قليلة من الإعلان الحكومي الثاني عنه في الصحف الرسمية نهاية 2010، وانتهى به الأمر حينها، مرمياً داخل أدراج مكتب وزير الكهرباء، مثله كمثل مشروع الإستراتيجية الوطنية لكهرباء الريف والطاقة المتجددة، وغيره من المشاريع التي لا ترى النور.

ومرة أخرى، أعاقت البيروقراطية، والفساد الرسمي، نجاح ذلك المشروع الذي كان سيعمل على مساهمة الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة بنسبة 30 في المائة من إجمالي الطاقة حتى العام 2025؛ باعتبار مزرعة الرياح أول مشروع ريادي سيسهم في الحفاظ على البيئة، وتقليل نسبة الاحتباس الحراري، وزيادة حصة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء للتقليل من الاعتماد على الوقود الأحفوري محلياً، وتعزيز أمن الطاقة في البلاد.

ما هو أهم من ذلك، كان انجاز مشروع كهذا؛ سيدفع باتجاه تشجيع الرساميل الوطنية، على دخول سوق الكهرباء في اليمن، والاستثمار في مجال توليدها من مصادر الطاقة المتجددة.

* البرلمان يقر إنشاء مزرعة رياح

بالبرلمان اليمني - تصوير: سبأرغم الإجراءات السيئة، ودائرة الروتين الذي تعاني منه البلاد، كان الخبر السار، موافقة البرلمان اليمني، الذي أقر في جلسته يوم الأربعاء 18 ديسمبر الفائت، على قرض مشروع إنشاء مزرعة للرياح، بقدرة 60 ميجاوات، في ميناء "المخا"، في إطار الاتفاقية المبرمة بين الحكومة اليمنية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، بمبلغ 18 مليون دينار كويتي، أي ما يعادل قرابة 65 مليون دولار أميركي.

ويبدو المثير للانتباه، أن قدرة الطاقة في مزرعة الرياح هذه، ارتفعت من 15 ميجاوات حددت في أول مرة، إلى قدرة 60 ميجاوات التي أقرها البرلمان مؤخراً، وهذا جيد.

ما يبعث على التفاؤل، أن البرلمان اليمني، ألزم الحكومة ممثلة بوزير الكهرباء والطاقة صالح سميع، الالتزام التام بتوصياته، التي أكدت العمل على توفير التمويلات الأخرى المكملة لمبلغ هذا القرض، وفي أسرع وقت لاستكمال كافة الإجراءات المتعلقة بها، وألزم البرلمان وزارة الكهرباء بالعمل على سرعة تنفيذ المشروع طبقاً لمواصفات ومقاييس الجودة العالمية الحديثة التي تتميز بكفاءة أعلى وكلفة أقل، وتعديل خيارات قدرات "التوربينات" المطلوب تنفيذها بين (2/3/5) ميجاوات، والحرص في اختيار الشركات الاستشارية، والشركات المنفذة ذات الكفاءة العالية والمؤهلة مالياً وفنياً عبر مناقصات عامة.

توصيات البرلمان، ألزمت وزارة الكهرباء الالتزام بالبرنامج الزمني المحدد لتنفيذ هذا المشروع، و"عدم صرف أي مبلغ من حصيلة هذا القرض إلا في الأغراض المخصصة له في المشروع"، ويبدو هذا الإلزام مهماً للغاية أمام شهية الكهرباء المرتفعة، في مشروع لطالما تعثر منذ إعلانها الشروع فيه منذ العام 2007.

ألزمت توصيات النواب، وزير الكهرباء، بإدراج الضرائب والجمارك اللازمة للمشروع بواقع 13% من إجمالي كلفة المشروع البالغة 125مليون دولار ضمن الموازنة العامة للدولة لعام 2013، إضافة إلى مساهمة الحكومة، وكذا توفير الاعتمادات المالية اللازمة لتحديد وحجز موقع تنفيذ المشروع.

* إستراتيجية الكهرباء .. الخطط لم تتحقق

وزير الكهرباء والطاقة صالح سميع | تصوير:سبأيقول المهندس رامي الشيباني، من إدارة الطاقة المتجددة بوزارة الكهرباء والطاقة:"أن الحكومة تولي اهتماما خاصا بالتنمية المستدامة للريف؛ لأجل ذلك شرعت وزارة الكهرباء بإعداد الإستراتيجية الوطنية لكهرباء الريف والطاقة المتجددة، وذلك بتمويل حكومي وبدعم من البنك الدولي والحكومة الألمانية".

ويضيف، بأن من "مخرجات هذه الإستراتيجية هو إنشاء هيئة مستقلة تتولى برنامج كهرباء الريف وتنفيذ مشاريع ريادية باستخدام تقنيات الطاقة المتجددة". لكن تلك المخرجات التي يتحدث عنها الشيباني لم تتحقق بشكل كلي.

بالنسبة للحكومة، فأنها تعي أمراً أو أمرين، في أن توليد الكهرباء من الرياح، يحافظ على البيئة، وهي تعي أيضاً أن خفض معدلات تغيّر المناخ الذي يتسبب بانبعاث ثاني أكسيد الكربون هو أهم ميزات توليد الطاقة بواسطة الرياح. كما أنّه خالٍ من الملوّثات الأخرى المرتبطة بالوقود الأحفوري والمصانع النووية.لكنها في المقابل لا تكترث لكل مشاريعها المعلنة والمتكررة أمام مجتمع المانحين والصحافة والرأي العام، والتي غالبا لا تـُنـفذ.

المحبط في الأمر أن الحكومة، لم تبذل قصار جهدها ولم تثابر على إتمام المشروع، رغم إدراكها أن طاقة الرياح تعد مصدر يعوّل عليه وقابل للتجديد، كون الريح تحرك "التوربينات" مجاناً، ولا تتأثر بتقلّبات أسعار الوقود الأحفوري، وهي لا تحتاج للتنقيب أو الحفر لاستخراجها أو لنقلها إلى محطّة توليد، ومع ارتفاع أسعار الوقود في العالم، ترتفع قيمة طاقة الريح، بينما تتراجع تكاليف توليدها.

ينبغي على الحكومة اليمنية، الإصغاء جيداً لنصيحة الخبير"بول هورسمن"، التي تقول:إن"الاستخدام الذكي للطاقة، وليس التعفف عن استخدامها، يشكل الفلسفة الأساسية للحفاظ على مخزون الطاقة مستقبلاً".

وعندما يرتبط هذا الاستخدام الذكي للطاقة بالسياسات الملائمة التي تدعم تقنيات الطاقة المتجددة وبرامج كفاءة الطاقة، سيشكل العامل الأساسي والضروري لضمان مستقبل الطاقة في اليمن على نحو يعزز الازدهار الاقتصادي، ويسرّع عجلة التنمية، ويساعد على تعزيز الأمن، عبر الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري والطاقة النووية.

اليوم، وبعد إقرار البرلمان مؤخراً، على قرض إنشاء أول مزرعة للرياح لتوليد الطاقة، والتزام وزير الكهرباء بتنفيذه بأسرع وقت، ينتظر اليمنيين المتعطشين للحصول على خدمة كهرباء جيدة، ما ستقوم به الحكومة، وسط حالة تشوبها الكثير من التكهنات غير المطمأنة لما سوف تؤول إليه الأمور، التي سيعقبها لا محالة، تدهور أكثر لخطوط نقل الطاقة الحالية، مع سخط شعبي لا تحمد عقباه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* البريد الالكتروني للكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.