fbpx

اليمن: المدن ماتزال غير خضراء

عشوائية البناء وغياب التشجير بمدينة تعز/تصوير: حلم اخضر

حلم أخضر – تقرير خاص

ربما كان تخضير المدن بالمساحات الخضراء المراعية للبيئة، والأستثمار في النظم البيئية، هو الأمر الأكثر أولوية، الذي دعا الأمم المتحدة لتوجيه مبادرة لكافة دول العالم، الاهتمام به، من خلال الاحتفال بفعالية اليوم العالمي للبيئة في الخامس من يونيو/حزيران من كل عام. ولعل هذه الدعوة كما قد يوحي مصطلح “التخضير” لا تعني حرفياً، صبغ المدن بالأخضر أو تشجيرها بالكامل.

وفقاً لمرفق البيئة العالمي، يقصد بتخضير المدن علمياً، توجيه وضبط نمو وتطور المدن في حدود قدراتها الاستيعابية، على تلبية حاجات قاطنيها من فرص العمل، والخدمات الأساسية، بما لا يضر ببيئات تلك المدن ومقومات استمرارها.

لكن الكثير من صناع القرار السياسي في البُلدان الفقيرة، لا يدركون أن المدن الأكثر اخضراراً يمكن أن تَصبح وسيلة لضمان توافُر نظام غذائي صحي ومأمون، وموارد مـعيشةٍ مُسـتـدامـة، ومجتمعات أصح.

ويرتبط عادة مفهوم “المدن الخضراء” بالتخطيط الحضري لدى البُلدان المتقدمة، في حين ظل مرهوناً بتطبيقاتٍ خــاصــة ذات أبــعــادٍ اجتماعية واقتصادية مُغايرة لــدى البُلدان النامية المحدودة الدخل. فمع توسع المدن، تنحسر رقعة الأراضي الزراعية القيّمة، في مقابل متطلبات الإسكان والتصنيع والبني التحتية، بينما يَتَباعد إنتاج الغذاﺀ الطازج أكثر فأكثر إلى أرجاﺀ المناطق الريفية البعيدة.

وبحسب مبادرة منظمة الامم المتحدة للأغذية والزراعة، فإن المدن الخضراء تهدف إلى: “تحسين البيئة الحضرية، وتعزيز الروابط القائمة بين المناطق الحضرية والريفية، وقدرة النظم والخدمات الحضرية وسكان المناطق الحضرية على الصمود أمام الصدمات الخارجية. ومن شأن ضمان الانتفاع ببيئة صحية وأنماط غذائية صحية عن طريق نظم زراعية وغذائية مستدامة، وزيادة توافر المساحات الخضراء من خلال الحراجة في المناطق الحضرية وشبه الحضرية”.

غياب التشجير في مدينة تعز/تصوير: حلم اخضر

اليمن وأزمة تخضير المدن

 بالنسبة للمدن اليمنية، فهي تعاني إجمالا وعلى نحو مطرد من تقلص المساحات الخضراء واتساع رقعة البناء العشوائي وغير المراعي للبيئة، وشحه المياه النقية. كما تعاني أيضا من تزايد ملوثات البيئة بما يصاحب ذلك من انتشار للأمراض والأوبئة.

 ولقد اختير نفس هذا الموضوع كعنوان لدعوة مثيلة وجهت لمختلف فئات المجتمع اليمني على المستوى الرسمي والشعبي لحشد طاقاتها للعمل معا على التغلب على تك المشكلات تحت  شعار لنعمل سويا من أجل تخضير المدن اليمنية.

خلال العقدين الأخيرين، برزت الكثير من المشاريع العمرانية ومشاريع البناء السكني غير المراعي للبيئة، في غالبية المدن اليمنية التي يمكن تسميتها بالمدن غير الخضراء. إذ ان المشاريع التنموية للتوسع الحضري لا تراعي اعتماد الحدائق والتشجير والمساحات الخضراء بشكل أساسي.

تقريباً، كل المدن الآهلة بالسكان، يتجاوز عدد قاطنيها قدراتها على تلبية احتياجاتهم من ماء وغذاء ومأوى وطاقة، فضلا عن حاجاتهم من وسائل نقل وشبكات الطرق ومن الخدمات الصحية وخدمات الصرف الصحي والتعليم وغيرها.

أدى ضعف برامج التنمية الريفية الشاملة، وغياب خطط استغلال وحيازة الأراضي، وشحة سياسات توطين السكان، إلى استمرار تدفق الهجرة غير المنظمة من الريف إلى المناطق الحضرية، وتسارعت عمليات الاستيطان العشوائي في مختلف مدن البلاد.

والنتيجة تزايد اختلال توزيع السكان بين المدن الرئيسة والثانوية، مما نجم عن ذلك الاختلال نمو حضري غير متوازن انعكس في بروز عدد من المدن الأهلة بالسكان ذات كثافة سكانية عالية يقابلها عدد من المناطق المهجورة الطاردة للسكان.

زحف البناء على الارض الزراعية في المعاين إب/تصوير: حلم أخضر

اليمن: كثافة وانحسار التخضير

 تأتي أمانة العاصمة اليمنية صنعاء، في مقدمة المدن الأعلى من حيث الكثافة السكانية، حيث تشير احصائية المجلس الوطني للسكان، إلى أن الكثافة السكانية في أمانة العاصمة تبلغ 7,580 شخصاً في كل كليومتر2، في مقابل حوالي 87 شخصا يعيشون في كل كيلومتر2 في اقليم عدن جنوب اليمن.

يعكس هذا التباين في التوزيع السكاني حجم الضغوط السكانية، وحجم الحاجة المتزايدة للخدمات في المدن العالية التحضر وذو كثافة سكانية، بما تسببه تلك الضغوط  من انتشار مجمعات البناء العشوائي، وزيادة القضاء على الموارد الطبيعية، وغياب الأدارة المستدامة، وغيرها من الظواهر المهددة للبيئة، والتي تعاني منها عدد من المدن اليمنية مثل: صنعاء، عدن, تعز, الحديدة، حضرموت، وإب وغيرها.

تعاني تلك المدن من عجز في إمدادات الكهرباء و المياه ووسائل تصريف مياه الصرف الصحي، وتصريف النفايات، بالإضافة إلى حدة اختناقات حركة المرور، وتزايد وسائل النقل، وإرتفاع تلوث الهواء، وتفشي الأمراض والأوبئة، وتزايد معدلات الفقر، المر الذي يفضي إلى عدم الاستقرار والسلام الاجتماعي.

وتعد مشكلة تصريف وإدارة النفايات بأشكالها الصلبة والسائلة والغازية، من أبرز المشكلات البيئية الرئيسية التي تعاني منها المدن المزدحمة، وأبرزها العاصمة صنعاء، وبقية المدن الرئيسية في البلاد.

وفي ظل النمو السكاني المطرد، وغياب التخطيط المستدام، وضعف وتدني كفاءة تصريف المخلفات، تتزايد حجم مخاطر تلك النفايات، مخلفة تهديدات بيئية عديدة على التربة والمياه الجوفية والهواء والصحة العامة للسكان، وكذلك تهدد الحيوانات والنباتات.

تنشا تلك المخلفات والملوثات البيئية، من مصادر وأنشطة مختلفة أهمها: نفايات المصانع، والنفايات الطبية، والنفايات المنزلية، التي ينتجها سكان المدن الرئيسة، والتي يجري تصريفها وحرقها إما في مناطق مفتوحة أو تحرق أو تردم قرب الاراضي الزراعية.

مدينة صنعاء – تصوير حلم أخضر

كما أن مخلفات الصرف الصحي، هي الأخرى، تصُرًف في البحر في المدن الساحلية، أو يتم تصريفها في حفر مفتوحة أو مغلقة على حساب الأراضي الزراعية.

بالاضافة إلى مخلفات وملوثات المعامل والمصانع. والمخلفات الكيماوية والملوثات الناتجة عن استخدام المبيدات والمواد الكيماوية الأخرى في الزراعة. إلى جانب الزيوت العادمة للسيارات والمركبات، والتي تصرف بعضها في التربة، جراء عدم وجود الرقابة.

في مقابل ذلك كله، لا تتوفر إجراءات كافية تحد من تلوث الهواء الناجم عن حرق الوقود في قطاعات الصناعة والطاقة والنقل، مما يترتب عنه مخاطر عديدة على صحة الإنسان والبيئة.

كما أن برامج التشجير وزيادة المساحات الخضراء غائبة في أجندة السلطات المحلية في عموم البلاد، لدرجة أن المساحات الخضراء المتبقية، يجري القضاء عليها من قبل السلطة والمجتمع، جراء توسع حركة البناء العمراني الذي لا يراعي البيئة والاستدامة.

قرية لؤلؤة همدان ريف صنعاء/تصوير: حلم اخضر

حلول للتنمية الخضراء

يمكن هجر جملة السياسات والممارسات غير الخضراء، المهددة للبيئة وذلك بالتحول نحو تقنيات وممارسات صديقة للبيئة، كإدخال تكنولوجيا ومصادر الطاقة البديلة، وتشجيع إدخال تكنولوجيا إعادة تدوير المخلفات الصلبة، وإعادة استغلال مياه الصرف الصحي وغيرها من مياه الوضوء. مثل ذلك الابتكار المستدام الذي اعتمدته مدينة صنعاء القديمة منذ قرون طويلة.

إلى جانب تشجيع ذلك، يمكن إعادة تدوير مخلفات الصرف الصحي، وإعداد وتنفيذ مشاريع نموذجية لإعادة استخدام وتدوير المخلفات الصلبة وإنتاج السماد والطاقة.

بالإضافة إلى تطبيق إجراءات تقييم الأثر البيئي لمختلف مشاريع المخلفات مثل مقالب القمامة ومشاريع النظافة، ومحطات المعالجة، مع البدء في تنفيذ برامج التشجير ومكافحة التصحر وتحريم تحيل الأراضي الزراعية لأغراض تنموية أخرى.

إن دعوة تخضير المدن بالمساحات الخضراء في اليمن، تهدف إلى الحد من التوسع الحضري العشوائي، عبر تطوير وتنفيذ خطط عمل لإدارة مستدامة في استخدام الأراضي.

ولعل عملية تخطيط الأراضي تهدف إلى تحديد وتخصيص استخدامات الأراضي المتاحة لأغراض تنموية مختلفة، وذلك وفقا ًلإرشادات ومعايير تخطيط محددة تلبي متطلبات التخطيط الحضري الوطني والمحلي وعلى نحو متكامل.

كما يتطلب الأمر، إعداد وتنفيذ لوائح تنظيم استخدام الأراضي، والشروع في تنفيذ برامج التشجير ومكافحة التصحر. إلى جانب وقف التوسع الحضري العشوائي وإعداد مخططات للتنمية الحضرية بناء على تقييم الوضع الحالي لاستخدام الأراضي. إلى جانب إعداد خرائط الغطاء النباتي و خرائط التربة.

تعاني المدن والمناطق الطاردة للسكان من نفس المشكلات، غير أنها أقل حدة ويمكن الحد منها وتفادي المشاكل التي تواجهها المدن الكبيرة؛ وذلك عبر تنظيم نموها الحضري وفق سياسات ومخططات للتنمية الحضرية، تتضمن سياسات وخطط تنظيم استخدام الأراضي بما في ذلك إصدار قوانين ولوائح تنظم استغلال وحيازة وتسجيل الأراضي، وقوانين تحضر وتمنع تحويل الأراضي الزراعية لأغراض صناعية أو استمثارية أو سكنية.

ما تزال الدعوة إلى تخضير المدن بالمساحات الخضراء في اليمن، بعيدة التحقق، رغم أنها أضحت ضرورة وطنية عاجلة، تفرضها دواعي الاستغلال المستدام للموارد الطبيعية، وتوجبها ضرورات التنمية المستدامة، على ما عداها وحسب.

*تم تحديث معلومات المقال بواسطة: حلم أخضر، في 5 يونيو/حزيران 2020.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط
error: Content is protected !!