حلم أخضر - علم البيئة: عودة جديدة إلى البريّة
الرئيسيةمصادردراساتعلم البيئة: عودة جديدة إلى البريّة

علم البيئة: عودة جديدة إلى البريّة

02 تموز/يوليو 2013
ذئب | الصورة: nature.com ذئب | الصورة: nature.com

حلم أخضر- بقلم:شاهد نعيم -  Nature

يؤكِّد عالِم حماية الطبيعة الرائد في مجاله، جون موير، في كتابه الذي صدر في عام 1901 بعنوان «حدائقنا الوطنية» أنّ «حماية البرية هي حاجة حتميّة»، ويوافق على ذلك الصحافي البيئي جورج مونبيوت، ولكنْ في كتابه «البرِّيُّون» نكتشف جميعًا مدى صعوبة التحدي من أجل تحقيق هذه الحاجة.

بدأ مونبيوت كتابه بتوثيق مغامراته في فترة الثمانينات أثناء حُمّى البحث عن الذهب، التي حدثت في ولاية رورايما البرازيلية، وذلك ما بين القتلة وعمال المناجم اليائسين، والمعالجين الروحانيين من أفراد قبيلة اليانومامي. وبعيدًا عن إظهار الشجاعة، تكشف هذه الحكايات كيف أدَّى الطمع والجهل وعدم اتخاذ الإجراءات المطلوبة إلى حدوث دمار بيئي في المنطقة. وبعد ست سنوات،عاد مونبيوت إلى ويلز، ليجد نفسه «يعيش حياةً، يمثِّل فيها استخدام مِغْسَلة الصحون تحديًا مثيرًا للاهتمام». ينظر مونبيوت ـ مرهقًا بعبء القلق ـ إلى الحياة البرية على أنها بمثابة «ترياق ضد الانحدار نحو حياة صغيرة ومُمِلَّة».

غلاف الكتاب | الصورة:nature.comيجد مونبيوت أن ويلز قد تعرضت للترويض عن طريق عوامل شبيهة بتلك التي أسهمت في تدمير البراري البرازيلية. ويستخدم مونبيوت أرض بلاده كنموذج مصغَّر لعملية «إعادة التوطين البري» ـ عملية إعادة إدخال الأنواع المحلية المنقرضة إلى البرية ـ ويقوم بدفع هذا المفهوم من نموذج في علوم حماية الحياة البرية إلى قضية بيئية رئيسة. وهو يمضي قُدُمًا أيضًا في تقديم رؤية لمفهوم إعادة التوطين، كطريقة لإعادة إحياء الحساسية البشرية الحبيسة تجاه المفاجآت السعيدة والمغامرات والإثارة التي تقدمها البراري.

تبدو فكرة «إعادة التوطين البري» بسيطة: دع نمور الجاجوار تروم الغرب الأمريكي، ووحيد القرن ينتشر في الحدود النيبالية الهندية، أو دع الذئاب والوشق والقطط البرية والخنزير البري والقندسو اللقام وحتى غزال الموس يعود إلى براري ويلز، ولكن مونبيوت يكتشف أن إعادة التوطين البري ليست عملية سهلة ومباشرة.

بادئ ذي بدء، ما هي الأنواع التي يجب أن تحظى بالأولوية؟ بعض الأنواع تعرضت للصيد؛ حتى وصلت إلى الانقراض في أزمنة ليست بعيدة، مثل الخنازير البرية التي انقرضت في القرن الثالث عشر. وبعض الأنواع الأخرى ـ مثل حيوانات غزال الموس، واللقام ـ اختفت منذ آلاف السنين لأسباب غير معروفة. هل يجب أن نعود إلى الحقبة البليستوسينية (العصر الحديث) المنتهية منذ 12 ألف سنة، ونستخدم البدائل الأفريقية؛ من أجل إعادة نشر وحيد القرن، والضباع، وفرس النهر، والأسود، والفيلة التي انتشرت في أوروبا في عصور سابقة؟ مَنْ سيتحمل المسؤولية، إذا ما تسببت الحيوانات التي يتم إعادة توطينها في نشر الأوبئة، وتدمير المحاصيل، ومهاجمة الحيوانات الأليفة، وقتل الثروة الحيوانية، أو الهجوم على البشر؟

وبالإضافة إلى ذلك..كيف يمكن لنا أن نعرّف مصطلح «البراري» الذي يعتمد عليه مفهوم «إعادة التوطين»؟ لا يتمكن مونبيوت من فعل ذلك، لكنه في الوقت نفسه يعلن عن غضبه تجاه السياسات التي تحاول وصف مراعي الماشية بأنها «بَرَارٍ»، أو تقوم بتشجيع إزالة الأشجار، لكونها نوعًا من «إدارة للبراري».

في كتابه «فكرة البراري» ـ الصادر عن جامعة ييل في عام 1991 ـ يلاحظ الفيلسوف ماكس أويلشليجر أن هذا المفهوم لم يظهر إلا مع بداية نظر الحضارة الإنسانية لنفسها على أنها منعزلة عن الطبيعة. وأصبحت البراري بالتالي بمثابة آثار باقية، تقع خارج نطاق سيطرة الإنسان التي تنتظر الإخلاء. ولمقاومة هذا التعريف، تتضمن نقاشات حواريّة كثيرة متعلقة بحماية الطبيعة بعضَ العناصر النفعية، مثل اعتبار البراري بمثابة موائل طبيعية تخدم الإنسان بطرق لا تستطيع أن تقوم بها المزارع والمراعي وغيرها من الأنشطة. وتمنع المناطق البرية حدوث انجراف التربة، وتوفر ملاذًا للكائنات التي تمارس عملية التلقيح الطبيعي، وتعمل كمصدر للغذاء والدواء، وغير ذلك من الخدمات الطبيعية.

وبغض النظر عن الدافع، يؤمن البعض بأن إعادة التوطين البري يمكنها أيضًا أن تعيد إحياء علم حماية البيئة. وعلى سبيل المثال.. يعتقد عالِم أحياء الحياة البرية تيم كارو أن هذه العملية يمكنها أن تمنح دفعًا جديدًا لعلم «يوثِّق تراجع جماعات الأنواع الحية، وفقدان الأنواع، وتدمير الموائل بتفاصيل شديدة ومعقدة، ولكنه ـ بكل أسف ـ لا ينفِّذ شيئًا للتصدي لها». وهناك كتابان يعكسان هذا الموقف نفسه، وهما: «إعادة التوطين البري في العالم» لكارولين فريزر، الصادر عن «كتب متروبوليتان» في عام 2009، وكتاب ديف فورمان، بعنوان «إعادة التوطين البري في أمريكا الشمالية»، الصادر عن «مطبعة آيلاند» في عام 2004، ولكن مونبيوت يرى أن إعادة التوطين البري هي علاج للشعور بالملل تجاه البيئة.

في مرحلة ما، ينطلق مونبيوت إلى البحر في قارب كاياك؛ من أجل صيد سمكة تونة من ذوات الزعانف الطويلة، وهي سمكة تتم حاليًا متابعة عودتها إلى المنطقة. يصبح الجو فجأة في غاية الخطورة، ولكن مونبيوت يبقى على قيد الحياة؛ ليعكس وجهة نظره عن الحماقة التي تجعل المرء يضع نفسه في مواجهة هذه المخاطر، وتجاهل واجباته تجاه ابنته وزوجته، لكن توبته لا تستمر، حيث تجذبه مغامرة أخرى إلى الطبيعة من جديد.

وتُعتبر براعة مونبيوت في صيد السمك في البرية مثيرة للإعجاب، كحقيقة نجاته من مرض الملاريا الذي يصيب قشرة الدماغ، والتعرض للضرب من قبل الحراس العسكريين، ودخوله في غيبوبة نتيجةً لِلَسْع الدبابير، لكن كتاب «البريّون» جعلني غير مرتاح، لأن مفهوم «إعادة التوطين البري» يساء فهمه غالبًا من قِبَل الرأي العام بأنه علم يقتصر على محبي الحيوانات والطبيعة والمغامرة. ومع أن مونبيوت يغطي هذا الموضوع بكفاءة في الكتاب، لكن عشقه وحماسه لركوب المخاطر يمكن أن يسهم في إسدال ستارة من الحيرة على القيمة المركزية لإعادة التوطين في البرية. ويمكن أن تكون هذه الفكرة علاجًا للشعور بالملل تجاه البيئة، ولكن قدرتها على إشعال الخيال يجب أن تكون مرتبطة مع هدف تحقيق مستقبل أكثر استقرارًا لنا وللأنواع الأخرى الموجودة معنا.

*شاهد نعيم:استاذ علم البيئة في جامعة كولومبيا الأميركية.

ترك تعليقاتك

0
أحكام وشروط.
  • لا توجد تعليقات

الاشتراك فى النشرة البريدية

لماذا حلم أخضر؟

حلم أخضر لأن الأرض التي تخصنا بحاجة إلى حلم ينشد مستقبل خال من التلوث..ينشد العيش في بيئة نظيفة،وبعبارة أخرى:كان هذا الحلم بحاجة إلى صوت ، كي يـعـبـّر عنه.. نحن هنا في حلم أخضر، كي نعبر عن هذا الصوت، وكي نطلع الرأي العام على الحقائق، من أجل الوصول إلى ممارسات تحافظ على البيئة في اليمن.