اليمن: كيف تدهورت زراعة القمح؟

Photo: Jaspreet Kindra/IRIN

حلم أخضر – تقرير خاص *

يلعب قطاع الزراعة في اليمن دوراً حيوياً في دعم الأمن الغذائي ومكافحة الفقر في البلاد. حيث يوفر حوالي 25 % من الاستهلاك الغذائي في البلاد، ويساهم قطاع الزراعة بحوالي 20 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليمن، ويشغل قرابة 40.9 % من إجمالي قوة العمل، وينتشر جغرافياً في المناطق الريفية حيث تتركز جيوب الفقر في البلاد.

ويعتبر القمح سلعة استراتيجية في غاية الاهمية للأمن الغذائي في كافة البلدان، وتزداد أهميته في اليمن باعتباره مكوناً أساسياً في الوجبات الغذائية للمستهلكين بمختلف شرائحهم ومناطقهم. لكن انتاج القمح المحلي محدوداً ومتناقصاً في مقابل تنامي الاحتياجات الاستهلاكية للسكان.

ووفقاً لدراسة صادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي، في فبراير/شباط 2018، انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي في اليمن من محصول القمح إلى أقل من 5%. ولسد الفجوة الغذائية في القمح المقدرة بأكثر من 3 مليون طن متري سنوياً، يستورد اليمن أكثر من 95 % من احتياجاته الاستهلاكية من القمح من الخارج.

وفقاً للإحصاءات الزراعية للعام 2017، ينتج اليمن 96 ألف طن فقط من محصول القمح سنوياً، في حين أنه يستهلك أكثر من 3 مليون طن متري في السنة.

وبحسب الدراسة، شكلت واردات القمح في اليمن المرتبة الأولى بين أهم ثلاثين سلعة مستوردة لعام 2016، وباتت فاتورة استيراده تؤرق الاقتصاد والعملة الوطنية متجاوزة 700 مليون دولار سنوياً.

هذا الأمر، جعل القوت الضروري للسكان والأمن الغذائي في البلاد عرضة لصدمات سعر الصرف وتقلبات الأسعار الدولية للقمح التي قادت ضمن عوامل أخرى إلى زيادة الاسعار المحلية للقمح بمعدل %377.4 بين يناير 2015 وأكتوبر 2018.

حقول القمح في ذمار/الصورة: ترخيص المشاع

إنتاج القمح في اليمن

تعتبر الحبوب من أهم المحاصيل الاستراتيجية والمنتج الرئيسي الذي تعتمد عليه الزراعة في اليمن. ويمثل إنتاج القمح ثاني أهم محاصيل الحبوب حيث احتل المرتبة الثانية 27 % بعد الذرة عام 2017. ويظهر الجدول رقم (1) أدناه، تدهور إنتاج الحبوب ومنها القمح الذي انخفض تدريجياً من 250,264 ألف طن عام 2012 إلى 95,651 ألف طن عام 2017، بمعدل انخفاض بلغ في المتوسط 16.6 % سنوياً.

ويعود سبب ذلك ضمن عوامل أخرى إلى ارتفاع أسعار الوقود وغيره من مدخلات الانتاج وشحة الأمطار وتذبذب هطولها، وضعف خدمات الارشاد الزراعي، ومحدودية الحافز المالي للمزارعين لزيادة انتاجهم من القمح مقارنة بالمحاصيل النقدية -بالذات القات -التي توفر عائداً أكبر بكثير.

ولذلك، ارتفعت حصة انتاج القات في المساحة المزروعة من 11.3 % عام 2013 إلى 15.4 % عام 2017، مقابل انخفاض حصة القمح في المساحة المزروعة من 9.2 % إلى %5.7 خلال نفس الفترة، على الرغم من الوضع الحرج لانعدام الأمن الغذائي في البلاد.

تقديرات انتاج الحبوب في اليمن 2012-2017
انتاج الحبوب في اليمن 2012-2017 – وزارة التخطيط

واردات القمح الى اليمن

عرف الاقتصاد اليمني القمح منذ زمن طويل، لكن استيراده كان حديث نسبياً حيث تلقى اليمن أول شحنة قمح كمنحة من الولايات المتحدة الأمريكية بلغت 14,000 ألف طن في العام 1959. تلتها شحنات القمح والدقيق على شكل هبات أو بأسعار رخيصة. وتنامى الاعتماد على القمح والدقيق المستورد لتلبية المتطلبات الاستهلاكية للسكان حتى وصل حوالي 3.4 مليون طن متري العام 2014.

وفي العام 2015 انخفض القمح المستورد بحوالي 18.1 % بينما زاد الدقيق المستورد بصورة ملحوظة بلغت 642 % مقارنة بما كان عليه عام 2014. وبين عامي: 2014 و2016، انخفض القمح المستورد بمقدار 30.7 % بينما زاد الدقيق المستورد بنسبة 472.8 %.

وعلى الأرجح، أن زيادة استيراد الدقيق جاءت للتعويض عن انخفاض سعة التخزين وقدرات طحن القمح وتضرر الموانئ في كل من عدن والحديدة جراء الحرب الجارية.

وتشير دراسة وزارة التخطيط، أن واردات القمح عاودت الارتفاع في العام 2017 إلى المستوى الذي كانت عليه تقريباً في العام 2014، وقد يعود ذلك إلى إصلاح مرافق تخزين وطحن الغلال لإحدى الشركات الكبيرة في عدن.

وتعد واردات القمح والدقيق من أهم السلع غير النفطية المستوردة التي تستنفد النقد الأجنبي حيث شكلت المرتبة الأولى بين أهم ثلاثين سلعة مستوردة لعام 2016، وتمثل ما يقارب ثلث قيمة الواردات الغذائية الزراعية، وشكلت 9.6 % من إجمالي واردات السلع في المتوسط خلال الفترة 2011 -2016.

تقدر فاتورة استيراد اليمن لمادتي القمح والدقيق حالياً بأكثر من 700 مليون دولار سنوياً. ويبلغ عدد مستوردي القمح النشطين حوالي 6 إلى 7 مستوردين في اليمن، ما يعكس حالة الاحتكار التي تسود سوق استيراد القمح.

ويواجه المستوردين اليمنيين العديد من الصعوبات أثناء الحرب والصراع الراهن في اليمن، بما فيها ارتفاع تكلفة التأمين على الشحنات، والتأخير في تصاريح الموانئ وإجراءات التخليص الجمركي، وانخفاض قدرات الموانئ. وتعقد الوضع أكثر مع انقسام السلطة النقدية وعجز البنك المركزي عن تمويل واردات السلع الاساسية بسعر صرف رسمي وصعوبة الحصول على العملة الصعبة والوصول إلى الخدمات المصرفية الدولية.

ولتخفيف تلك الصعوبات، استأنف البنك المركزي اليمني في عدن منذ بداية الربع الأخير من عام 2018 تمويل واردات السلع الاساسية (قمح، ذرة، أرز، سكر، حليب، زيت الطبخ) بسعر صرف رسمي ميسراً للمستوردين الحصول على العملة الصعبة وفتح الاعتمادات المستندية حيث تستغرق إجراءات الموافقة على التمويل قرابة 12 يوم عمل.

قمح مستورد لليمن/ الصورة: ترخيص المشاع
المحافظات اليمنية المنتجة للقمح 2017

لماذا تدهورت زراعة القمح؟

ثمة أسباب عديدة لتدهور الزراعة في اليمن بشكل عام. لكن تدهور زراعة القمح كان نتاج فشل رسمي، وفقاً لدراسة أصدرتها وزارة الزراعة والري، وأعدتها الباحثة الاقتصادية أروى أحمد البعداني، بعنوان (زراعة القمح في اليمن – التحديات والحلول والفرص المتاحة).

بحسب الدراسة، فان هذه المشكلة تعتبر تراكمية وهي نتيجة للإهمال الرسمي لسنوات طويلة، حيث لم تعط الحكومات المتعاقبة الاهتمام الحقيقي لزراعة القمح ومواجهة الطلب المتنامي له في الأسواق المحلية، واكتفت بتغطية العجز في الطلب للقمح بالاعتماد على الاستيراد الخارجي.

وتفيد الدراسة أن ذلك الأمر شكل أحد أهم أسباب تفاقم أزمة الغذاء وانعدام الأمن الغذائي في البلاد، إذ باتت اليمن تعاني منه بصورة خطيرة خاصة مع تفاقم حدة الصراع الداخلي، والحرب الراهنة والمستمرة منذ 2015، مما أدى إلى أن أكثر من نصف سكان اليمن (24 مليون شخص) يواجهون تبعات انعدام الأمن الغذائي، بحسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو).

وتؤكد دراسة الباحثة اروي البعداني، أن السياسات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة كان لها الأثر البالغ في تدهور الإنتاج المحلي للقمح بصورة خاصة، بالإضافة إلى أن السياسات الحكومية لم تشهد تنفيذ خطط استراتيجية مجدولة زمنياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي بحيث تحشد لها الموارد اللازمة والبرامج المناسبة لتحقيق هذا الغرض.

لكنها اكتفت باتباع سياسة تحقيق الاكتفاء من خلال الاستيراد الخارجي للقمح كخيار استراتيجي ضيق الأفق، متجاهلة بذلك المفهوم الأساسي للاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء والذي يقصد به الاعتماد على الذات في تحقيق حاجات المجتمع من الغذاء من خلال إنتاجه الذاتي، وتوظيف موارده الخاصة.

وتضيف البعداني: قامت الحكومات المتعاقبة بتنفيذ سياسات اقتصادية استجابة لطلبات المانحين، وخاصة المنظمات والوكالات الدولية كشرط للحصول على القروض والمساعدات أو لغرض تحقيق مواقف سياسية تعبر عن الاستجابة لرغبات القوى العالمية المهيمنة، حتى وإن لم تتوافق تلك السياسات مع مصالح البلاد.

مصدر الجدول: وزارة التخطيط، 2018.

اليمن والفجوة الغذائية في القمح

طبقاً لدراسة وزارة التخطيط للعام 2018، تعرف الفجوة الغذائية في القمح بأنها الفرق بين الانتاج والاستهلاك المحلي من القمح، الذي يتم تغطيته بالاستيراد من الخارج. وتظهر بيانات وزارة الزراعة والاحصاء الزراعي 2017، تراجع الانتاج المحلي من القمح عام بعد آخر مقابل كبر حجم الطلب الاستهلاكي للسكان الذي يقدر بأكثر من 3 مليون طن متري سنوياً، وتقدر الاحتياجات الشهرية من واردات القمح ودقيق القمح بحوالي 350,000 طن متري، وفقاً لتقرير البنك الدولي لخطة الاعمار والتعافي في اليمن 2017.

وبالتالي، بات اليمن يعتمد على الاستيراد الكبير لتلبية أكثر من 95 % من احتياجاته الاستهلاكية من القمح. وفي عام 2017، قدرت الفجوة الغذائية في القمح بحوالي 3.4 مليون طن متري، وقدرت نسبة الاكتفاء الذاتي بحوالي 2.8 % فقط. وأصبح القمح من أهم المحاصيل الغذائية المستوردة بواسطة القطاع التجاري الخاص أو في شكل معونات إنسانية مما يعكس خلالاً جوهرياً في تأمين سلعة القمح الاستراتيجية للمواطن اليمني.

ورغم الجهود الحكومية المتواضعة التي بذلت لزيادة الرقعة الزراعية إلا أن الفجوة الغذائية لم تجد معالجات مستدامة، وما زالت كبيرة للغاية؛ وهي تتسع باستمرار في ظل محدودية الانتاج المحلي، وتزايد عدد السكان، وتنامي الطلب على الواردات. وهذا ما يزيد من حجم التهديدات التي تواجه الأمن الغذائي في بلد يعاني نحو 53 % من سكانها (15.9 مليون شخص) من انعدام الأمن الغذائي الحاد في ديسمبر/كانون الأول 2018. الأمر الذي يستدعي دراسة خيارات السياسات اللازمة لتغيير النمط الاستهلاكي في الوجبة الغذائية وزيادة الانتاج المحلي من القمح.

* المصادر:

– دراسة “القمح في اليمن: تنامي الفجوة الغذائية رغم الجدوى الاقتصادية”، قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي. صنعاء. فبراير/شباط، 2018.

– أروى احمد البعداني، “زراعة القمح في اليمن، التحديات، والحلول والفرص الكامنة”، جريدة (الثورة) اليمن. 2018.

مناطق زراعة القمح في اليمن - الوضع الراهن
مناطق زراعة القمح في اليمن/ الخريطة: وزارة التخطيط
الاشتراك في النشرة البريدية
الاشتراك في النشرة البريدية
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا من أجل مواكبة التطورات.
بإمكان إلغاء اشتراك في أي وقت
تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط