■ تقرير: مطلق باكيلي (المكلا)
(26 نوفمبر2025) — شهدت مناطق اثيوبيا واليمن، حدثاً جيولوجياً لافتاً، تمثّل في ثوران مفاجئ لبركان يقع في إقليم عفر الإثيوبي، ما أدى إلى انبعاث كميات هائلة من الرماد والغبار البركاني وانتشاره في الغلاف الجوي باتجاه مناطق عدة باليمن، وسط مخاوف من انعكاساته الصحية والبيئية.
وكان إقليم عفر شمال شرق إثيوبيا، شهد يوم الأحد، 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، انفجاراً لبركان “هايلي غوبي“، مطلقًا عموداً من الرماد والغاز إلى ارتفاعات وصلت قرابة 14 كيلومترا، مما أسفر عن هزات عنيفة في المناطق المحيطة، ووصول موجة غبار واسعة في محافظات عدة باليمن.
وبحسب مراكز الرصد الجوي، ساهمت الرياح النشطة في نشر الرماد وغاز ثاني أكسيد الكبريت عبر البحر الأحمر، وتأثرت محافظات الحديدة وإب وذمار وصنعاء، والمناطق الساحلية والوسطى، قبل أن تمتد شرقا نحو حضرموت.

غازات غير مرئية في حضرموت
طبقاً لمركز الإنذار المبكر بمحافظة حضرموت، فإن عمود الرماد الذي ارتفع إلى طبقات الجو العليا أعيد توزيعه بسرعة عبر الرياح النشطة، ليتخذ مساراً شرقياً وشمالياً نحو البحر الأحمر، قبل أن يبدأ بالتراجع والانخفاض فوق أجواء اليمن.
هذه الحركة الجوية، جلبت كتلاً من الغبار الخفيف إلى المتوسط فوق مناطق ساحلية وجبلية، وهو ما رصدته فرق الطوارئ، وعدد من السكان المحليون عقب الساعات اللاحقة لحدوث الثوران البركاني.
وأشار مركز الإنذار المبكر -في بيان- أن الغطاء الدخاني المصاحب للبركان بدأ يتدفق نحو محافظات غرب اليمن، وقد وصل على هيئة غازات واسعة غير مرئية إلى ساحل حضرموت.

تأثيرات طفيفة في المكلا
عقب اليوم الأول لحدوث ثوران البركان الاثيوبي، وتحديداً يوم الاثنين 24 نوفمبر/تشرين الثاني، لاحظ عدد من الأهالي في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت شرق اليمن، نوعاً من التلوث في الهواء الذي ترافق مع مرور حركة السحاب المحمل بالرماد.
تقول أروى باضاوي، احد سكان حي المكلا: ”هذا الصباح شعرت، أن الهواء مختلف وله رائحة غبار خفيفة، والجو لم يكن صافياً مثل الأيام الماضية. والآن أشعر بآلام في الحلق وكأن بداخله تراب ، ومعها ضغط مزعج على الصدر يشبه الكتمة حتى أنفي يحكني باستمرار، وأحس أني على وشك العطاس، لكنه يروح ويرجع بدون توقف.“
وقال عبدالله بامقدم، وهو موظف في القطاع الخاص: ”لاحظت قبل الظهر طبقة خفيفة من التراب على سيارتي، وقلت أنها من عاصفة عادية، لكني سمعت من الناس أن الغبار جاء من بركان في إثيوبيا. كان الجو معكر شوية والهواء ثقيل“.

ماذا عن الأراضي الزراعية؟
تعد حضرموت، التي يسودها المناخ الصحراوي والساحلي، واحدة من أكثر المناطق الحساسة لموجات الغبار، نظراً لامتدادها الصحراوي الواسع. ومع وصول السحاب العابرة، لاحظ سكان في المكلا، والشحر، ارتفاعاً طفيفاً في الهواء المحمل بالرماد، وظهور طبقات خفيفة من الغبار على أسطح المنازل، والمركبات في بعض المناطق.
وفي مديرية غيل باوزير، إحدى مديريات محافظة حضرموت؛ ظهرت التأثيرات أيضاً بشكل ملحوظ، خاصة في المناطق المكشوفة، وفي مناطق أراضي الوديان والحقول الزراعية.
يقول ياسر بازدياد: ”شعرنا بغبار خفيف فوق الشبابيك والأثاث ولم يكن قوياً، لكن الملفت إنه جاء فجأة! وكبار السن هنا قالوا لازم نغلق الشبابيك خوفاً من أي تأثير على التنفس“.
ويعبّر الفلاح فضل بارفعة عن قلقه قائلاً: “لاحظنا طبقة خفيفة من الغبار استقرت على أوراق بعض الأشجار ورغم أن الكمية تبدو بسيطة ، إلا أن استمرارها ليوم أو يومين فقط قد ينعكس سلباً على النباتات فالمحاصيل هنا تتأثر سريعاً بأي تغيّر في البيئة.”

تفسير منطقي للغبار
يشير مختصون إلى أن هذا الغبار المنقول عبر الرياح، يحمل عادة مزيجاً من جزيئات الرماد البركاني والمواد المعدنية الدقيقة، وهي جزيئات يمكن أن تبقى معلّقة في الهواء لفترات متفاوتة، قبل أن تستقر في الطبقات السفلية من الغلاف الجوي.
وعلى الرغم من أن سحابة الرماد تقلّ شدتها كلما ابتعدت عن مصدرها، إلا أن تأثيرها البيئي يظل ملموساً خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة.
وأفاد خبراء عبر وسائل الإعلام، أن الجزيئات الدقيقة قد تتسبب في تلوّث مؤقت للهواء وانخفاض نسبي في جودة التنفس، إلى جانب تأثير محتمل على النباتات والمحاصيل في القرى والأودية، حيث تتراكم طبقات الغبار على الأوراق ما يقلل من معدلات التمثيل الضوئي ويضعف الإنتاج الزراعي إذا استمر الترسب لعدة أيام.

التأثير الصحي: لا داعي للذعر
المرافق الصحية في حضرموت، لم تسجل أي ارتفاع في حالات الاختناق أو نوبات الربو حتى الآن، إلا أن أطباء حذروا من أن الأيام الأولى لوصول الغبار لا تعكس الصورة الكاملة.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، نشر أطباء نصائح للفئات الحساسة كالأطفال وكبار السن، بتجنّب الخروج خلال فترات اشتداد الغبار المحتملة، وتهوية المنازل بشكل جيد، وشرب كميات كافية من الماء للتقليل من آثار الجفاف.
كما عممت نشرة الطقس التابعة للأرصاد الجوية اليمنية، نصائح عامه للسكان المحليين، بتغطية خزانات المياه، وحماية الماشية من التعرض المباشر للغبار، خاصة في المناطق المكشوفة.

هل هناك تأثيرات مناخية؟
على المستوى المناخي الواسع، لا يتوقع أن يخلّف الثوران تأثيرات كبيرة تمتد لأشهر أو سنوات، كون تأثيرات الرماد البركاني الأبعد ترتبط عادة بانبعاث كميات ضخمة من الغازات الكبريتية إلى طبقات الجو العليا. ومع ذلك، يرى خبراء البيئة أن التأثيرات قصيرة المدى مثل: تشتت ضوء الشمس، وانخفاض الحرارة ساعات محدودة، قد تحدث بصورة موضعية خصوصاً في مناطق تأثير السحابة المباشرة.
وتناقل ناشطين عبر منصات التواصل الاجتماعي في حضرموت، الدعوة لتفعيل أدوات الرصد الجوي، وقياس العوالق الدقيقة، وتحديث خرائط جودة الهواء، وتمكين المؤسسات البيئية والجيولوجية والارصاد الجوية من لعب دور أكثر فاعلية في التحذير المبكر، خاصة مع ازدياد تكرار الظواهر الجوية المرتبطة بتقلبات المناخ وتداعياته.
مع بدأ انحسار تأثير موجة الغبار المحمل بالرماد البركاني تدريجياً في مناطق البلاد، تبقى الحاجة ملحّة لتحديث البيانات المناخية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين جاهزية المجتمع، لضمان حماية أفضل للمجتمعات والبيئة على حد سواء.