fbpx

التصحر في اليمن

حلم أخضر – تقرير: عبد الحكيم محمود*

عُرفت اليمن عبر التاريخ باسم العربية السعيدة. وتذكر كتب التاريخ أنّ تسمية اليمن بالعربية السعيدة أو اليمن السعيد يعود إلى كثرة الخضرة والزرع المنتشر على أراضيها.

ويعود السبب في ذلك إلى قدرة اليمنيين القدماء على التصرف في خزن وإدارة مياه الأمطار الموسمية من خلال بناء السدود والخزانات والحواجز والقنوات، وعرف في ذلك سد مأرب الشهير الذي يقف وراء تاريخ الحضارة اليمنية القديمة، وكذا صهاريج الطويلة في عدن.

وإلى جانب الأساليب التاريخية التي اتبعها اليمنيين في إدارة المياه، فقد أبدع اليمنيون أيضاً في استصلاح الأراضي الزراعية، وذلك عن طريق المدرّجات الزراعية التي كانت هي الأخرى تعمل على إدارة المياه من ناحية واستصلاح الأراضي الوعرة في الجبال، وهي تأخذ عادة الشكل الهرمي في استصلاح الأرض والتي تسمح أيضاً بتوزيع المياه وحسن التصرف فيها. 

إذن، إدارة المياه عن طريق بناء السدود والحواجز، وكذا استصلاح الأراضي من خلال المدرجات الزراعية، يعد من دلائل وشواهد التاريخ على جهود اليمنيين في مقاومة قسوة الطبيعة وندرة المياه.

لقد سجل تاريخ اليمن العديد من الدلائل التي تبين مدى تعامل اليمنيين العقلاني مع الموارد الطبيعية وإدارتها بطريقة سليمة. حيث كانت معظم المناطق اليمنية تتمتع بالاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية المختلفة وتوزع الفائض إلى المناطق المجاورة.

لكن اليمن السعيد، لم يعد سعيداً في انتشار الرقعة الزراعية على أراضيه، فقد أثّرت ظروف الحياة الجديدة وأنماطها في العقود الوسطى من القرن العشرين على حياة الإنسان اليمني.

وأربكت الأساليب التقليدية في التعامل مع الموارد الطبيعية وإدارتها بطريقة سليمة، وبالتالي بدأت الرقعة الزراعية في التقلص. وأصبح التصحر والجفاف السمة البارزة والخطيرة التي تهدد الأمن الغذائي في اليمن.

اليمن الجغرافية والتضاريس والمناخ

تقع اليمن في الركن الجنوبي الغربي لشبة الجزيرة العربية، وتبلغ مساحتها نحو 555 ألف كيلومتر مربع. وهي تطل على البحر الأحمر من الغرب، وعلى خليج عدن والبحر العربي من الجنوب.

يعتبر القطاع الغربي في اليمن، كتلة جبلية ضخمة ذات قمم عالية، بارتفاع يُقدّر بنحو 3 آلاف متر فوق سطح البحر، وفيها أعلى قمة في شبة الجزيرة العربية، وهي قمة جبل النبي شعيب التي تبلغ 3700 متر وتنحدر إلى الهضبة والسهل الساحلي في الغرب.

وإلى القمة والسهل الصحراوي في الشرق. أما القطاع الجنوبي ففيه جبال حضرموت التي تمثل خط تقسيم المياه بين الوديان المتجهة جنوباً إلى بحر العرب وتلك المتجهة شمالاً نحو الصحراء.

بالنسبة للأمطار فهي عالية في المناطق الجبلية الغربية (أكثر من ألف ملم في السنة) ولكنها منخفضة فيما عداها.

ليس في اليمن أنهار دائمة، والمياه السطحية عبارة عن سيول موسمية تتجمع في الوديان. وتُقدر موارد السيول بحوالي 2700 مليون متر مكعب في السنة.

وبالتالي فإنّ المياه الجوفية تعتبر مصدر مهم يتم استغلاله عن طريق الأحواض الجوفية المائية، حيث يوجد عدد من الأحواض بعضها قريب (30-40 متر) وبعضها عميق، و ُتقدر الأراضي المرويّة بحوالي 300 ألف هكتار تعتمد معظمها على مياه الآبار.

هذا، وتعتبر اليمن من المناطق الجافة وشبه الجافة ذات الموارد الطبيعية المحدودة. ويعاني من جفاف مناخه وتضاريسه الجبلية والسهلية والصحراوية المتنوعة والوعرة، والتي تعاني من محدودية المياه فيها؛ وكل ذلك يؤدي إلى نشؤ بيئة قاسية ومتقلبة.

في وقت يشكل القطاع الزراعي مورداً هاماً في بنية الاقتصاد اليمني، إذ يعتمد نحو ثلاثة أرباع السكان في معيشتهم على الزراعة والرعي. وتستهلك الزراعة نحو 90 في المئة من المياه، مما أدى إلى استنزاف المياه الجوفية.

وقد هذا أدى إلى بروز مؤشرات مشكلة التصحر الذي يعاني منه القطاع الزراعي المورد الأساس لحياة الناس في اليمن.

حجم مشكلة التصحر في اليمن

المزيد من المشاركات

في الفترة من 29 أغسطس/آب حتى 9 سبتمبر/أيلول 1977، عقد في العاصمة الكينية، نيروبي، مؤتمر للأمم المتحدة لمناقشة قضية (زحف الصحراء) كأول مؤتمر يناقش هذه المشكلة التي يعاني منها أهم مورد طبيعي للإنتاج الغذائي.

وفي هذا المؤتمر ظهرت كلمة التصحر لأول مرة، كبديل لمفهوم (زحف الصحراء) وعرف التصحر حينها بأنه (انخفاض أو تدهور قدرة الإنتاج البيولوجي للأرض مما قد يؤدي في النهاية إلى خلق ظروف شبة صحراوية).

أما الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر التي أصدرتها الأمم المتحدة في العام 1994، فإنها تعرّف التصحر بأنه “تدهور الأرض في المناطق الجافة و شبة الجافة و تحت الرطبة و ينتج عن عوامل عدة منها تغير المناخ و نشاط الانسان”.

بالنسبة لمشكلة التصحر في اليمن، فإن التقارير البيئية التي تناولتها تشير إلى انتشار التصحر بأشكال متعددة، و بات ما يقارب من 97 في المائة من أراضي البلاد تعاني من التصحر بدرجات متفاوتة.

و يتمثل ذلك في (تدهور الأراضي الزراعية، والمراعي، وتدمير النمو الشجري) وتزيد عليها ظواهر الانجراف البالغ، الذي يرجع إلى التضاريس الجبلية.

إضافة إلى تدهور الموارد الطبيعية المختلفة من مياه و نبات إضافة إلى  التعرية الهوائية و المائية و تملّح التربة و زحف الرمال و التوسع العمراني.

وتظهر الآثار السلبية لظاهرة التصحر في اليمن، على الغطاء النباتي وانتاجية الأرض والمياه السطحية والجوفية والحياة الفطرية والانتاج الحيواني … الخ.

وينعكس ذلك أيضاً سلباً على تدهور معيشة السكان، وعائقاً أمام خطط التنمية الريفية المستدامة والمتكاملة.

ويمكن القول، أنّ من أبرز العوامل والأسباب التي أدّت إلى بروز مشكلة التصحر، هي عوامل وأسباب عدة، أبرزها: العوامل الطبيعية منها أسباب مناخية كندرة الأمطار الموسمية، وتعاقب سنوات الجفاف، ومنها الأسباب الطبوغرافية والمتمثلة بطبيعة الأرض والصخور التي كونتها.

أيضاً يعتبر أسلوب التعامل السيئ مع الموارد الطبيعية وسوء استغلالها، من العوامل المؤثرة والمسببة لبروز مشكلة التصحر في البلاد.

ويتمثل ذلك في العمليات الزراعية الخاطئة، وكذا في سوء استغلال المياه الجوفية. إضافة إلى ما تقدم من عوامل وأسباب التصحر في اليمن فإنه لابد من الإشارة إلى المشاكل الناتجة عن النمو السكاني، وازدياد الطلب على الأعلاف، وحطب الوقود، وخشب البناء أيضاً من العوامل والأسباب المؤدية لبروز مشكلة التصحر في اليمن.

المراجع:

– كتاب التصحر – تأليف الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص.

– الندوة الوطنية لمكافحة التصحر – الهيئة العامة لحماية البيئة – اليمن.

– التقرير الوطني لمكافحة التصحر في الجمهورية اليمنية – وزارة الزراعة والري – اليمن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ينشر تحت رخصة المشاع من المصدر الأصلي: منظمة المجتمع العلمي العربي ASCO

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط
error: Content is protected !!