شبام القديمة: مدينة الطين المتقدمة بيئياً

شبام حضرموت - تصوير: George Steinmetz

حلم أخضر (وحدة التقارير)

مقدمة

تحميل بصيغة PDF
تحميل بصيغة PDF

اشتهر قدامى اليمنيون بكونهم معماريون مّهَرة، شيدوا المدن والقلاع والحصون التي خلدتها الحضارات، وابتكروا تقنيات هندسية لخزن مياه الأمطار وأنظمة الري، ارتبطت بهم عبر العصور. ومنذ فجر التاريخ عُرف اليمنيين بأنهم أول من شيد مبانِ بطوابق عمودية، أقدمها قصر غمدان في صنعاء والذي يعد أوّل ناطحَة سَحاب في العَالم، إذ يقدّر المؤرخون أن ”ارتفاعه كان لا يقل عن أربعين متراً“ [1] وقد ورد ذكره في النقوش المسندية بأنه يرجع إلى عهد الملك السبئي شعرم أوتر ملك سبأ وذي ريدان في عام 220 ق.م،[2] وقد ذكره المؤرخ أبو محمد الحسن الهمداني بأنه كان مشيداً من عشرين طابقاً يسمو إلى كبد السماء.[3]

وفي ازمنة لاحقة، شيد اليمنيين ناطحات السحاب التي عرفها العالم في مدينة شبام بحضرموت، وكانوا أول من ابتكر وشيد السدود، وتشير المراجع التاريخية أن سد مارب العظيم هو أقدم سد شيد على الأرض، ويعود تاريخ بنائه إلى الألفية الأولى قبل الميلاد.[4]

لكن اليمنيين اليوم، فقدوا الاهتمام بذلك كله، ولم يتمكنوا من تطوير أصالة المعمار اليمني، على الرغم من استدامة تلك الهندسة التي تميزت بها مناطقهم القديمة. فبمجرد النظر لمدن الطين المشيدة في شبام حضرموت، وصنعاء القديمة، ومدينة زبيد التاريخية، يتجسد تراث عمراني شيد وفق منهجية تصميم بيئي مستدامة.

اليوم، ومع ازدياد مشاكل الطقس وتغيرات المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، تبدو تقنية التشييد لمباني اليمن القديمة، متجاوزة بمراحل لأساليب البناء الحديث، ومتقدمة من النواحي البيئية. ومن الناحية الجمالية، تبدو العمارة اليمنية القديمة، أكثر جمالاً وتخطيطاً من مباني المدن الحديثة في عموم البلاد. ولعل هذه الأخيرة تبدو مشوهة بالأسمنت وبلا هوية أو مظاهر متجانسة. فضلاً عن كونها خالية من الخصائص البيئية والاستدامة.

تتناول هذه المقالة من مؤسسة حلم أخضر، الخصائص والمزايا البيئية لمدينة شبام القديمة في حضرموت، وتسلط الضوء على مباني شبام الطينية كنموذج متقدم لمدينة صديقة للبيئة والهندسة المعمارية الفريدة وسط الصحراء. وتقدم الورقة توصيات إلى أصحاب المصلحة بهدف الاستفادة من تقنيات العمارة التقليدية القائمة على الطبيعة.

مدينة شبام القديمة © حقوق الصورة: Don Whitebread

لمحة عن مدينة شبام القديمة

تُعدّ مدينة شبام، التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، والمحاطة بسورٍ محصّن، من أقدم وأفضل الأمثلة على التخطيط العمراني القائم على مبدأ البناء الرأسي. ترتفع مبانيها الشاهقة الشبيهة بالأبراج من أعلى الجرف، مما أكسبها لقب “مانهاتن الصحراء”. وتعرف شبام القديمة باعتبارها مدينة أثرية مسورة، في محافظة حضرموت شرق اليمن. تبعد حوالي 990 كيلومتر عن العاصمة صنعاء. وطبقاً لمنظمة اليونسكو، تشكل هذه المدينة المسوّرة التي ترقى الى القرن السادس عشر أحد أقدم النماذج وأفضلها للتنظيم المدني الدقيق المرتكز على مبدأ البناء المرتفع.

تصُنف مباني مدينة شبام، بأنها أقدم ناطحات السحاب في العالم. تحتوي المدينة على 500 ناطحة سحاب، تتراص بشكل محكم في شبكة مستطيلة محاطة بجدران، حيث تربط بعض الممرات المعلقة المنازل المجاورة، مما يسمح بالحركة السريعة أثناء الصراعات التاريخية. وتتراوح ارتفاعات هذه المباني بين 23 – 24 متراً. 

ولعل مما يميز هذه البنايات أنه تم تشييدها من مادة الطين وجذوع النخيل والماء. يعود تاريخ هذه المدينة إلى أكثر من 600 سنة، ومن حيث الأسس البيئية والتنظيم وهندستها المعمارية، تعد شبام حضرموت إلى جانب مدينة صنعاء القديمة، من أقدم نماذج العمارة البيئية في العالم.[5]

في ثلاثينيات القرن الماضي، أطلقت عليها الرحالة البريطانية، فريا مادلين ستارك “مانهاتن الصحراء”، نظراً لمبانيها البرجية العالية والشاهقة في الارتفاع، والمنبثقة من بين الصخور، والمتراصة ببعضها البعض على نحو فريد وسط الصحراء الواسعة.

في العام 1982، أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلم (اليونسكو) على قائمة مواقع التراث العالمي، وبحسب اليونسكو: ” تشكل هذه المدينة الطينية المسوّرة أحد أقدم النماذج وأفضلها للتنظيم المدني الدقيق المرتكز على مبدأ البناء المرتفع“.

وفي 2 يوليو 2015،  وعقب اندلاع الحرب والصراع في أرجاء البلاد، أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، موقعين في اليمن على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهما: مدينة صنعاء القديمة ومدينة شبام القديمة المسورة، كنتيجة لاتساع رقعة النزاع المستمر ونقاط الضعف الهيكلية.[6]

ووفقاً لـ لجنة التراث العالمي لليونسكو، فإن “مدينة شبام القديمة المسوّرة معرضة لخطر محتمل جراء النزاع المسلح في اليمن، مما يزيد من حدة مشاكل الحماية والإدارة القائمة في الموقع. ولذلك، قررت اللجنة أن إدراجها على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من شأنه أن يعزز الجهود الدولية المبذولة لحماية الموقع”.[7] تُعدّ مدينة شبام المحاطة بسور محصّن، واحدة من أقدم وأفضل الأمثلة على التخطيط الحضري المستدام. حيث ترتفع مبانيها الشاهقة الشبيهة بالأبراج من أعلى جرف صخري، مما أكسبها لقب “مانهاتن الصحراء”.

بحسب وزارة الثقافة والسياحة، تتميّز مباني شبام بطوابقها المكونة من 6 – 11 طابقاً، وبأبوابها ونوافذها ذات الطّراز الهندسي التقليدي، وعادة ما تكون الطوابق السفلية بدون نوافذ، وتعمل كمخازن للحبوب والماشية، بينما تُخصص الطوابق العلوية لأماكن المعيشة والنوافذ الإسلامية المزخرفة.

ويشير المؤرخون إلى أن مدينة شبام القديمة كانت أكبر حجماً من المدينة الحالية، ويرجحون أنّها كانت تمتد حتى المرتفعات الجبلية المشرفة عليها. إلا أنّها دمرت على مرحلتين: الأولى: كانت في القرن الـ 12 للميلاد. والمرحلة الثانية: دمرت في القرن الـ 15 للميلاد، عندما تعرضت شبام حضرموت لسيول غزيرة، أدت لحدوث فيضانات عالية اجتاحت المدينة، وتسببت في تدمير أجزاء كبيرة من ناطحات السحاب.[8]

تعود تسمية شبام إلى ملكها وهو: شبام بن الحارث بن حضرموت بن سبأ الأصغر. وقد عرفت شبام بعدة أسماء منها “بيحم” العالية، وبلدة حضرموت، وأم الجهة، والصفراء، والزرافة، والدمنة، وأم القصور العوالي.

تاريخياً، تمكنت مدينة شبام من الحفاظ على شكلها الحالي منذ القرن التاسع للهجرة. وبناءاً على ذلك فإن المباني الموجودة بها قد اتخذت المدينة هذا الشكل العمراني المتميز حتى تكون حصناً متيناً ضد الأعداء. بالإضافة إلى المحافظة على الأراضي المزروعة والمحيطة بها، ومنع تدهورها أو تصحرها. وفي العام 2007، نالت شبام على جائزة “آغا خان للعمارة”.[9]

شبام القديمة © الصورة من: وزارة السياحة/ Don Whitebread

مواد بناء البيوت وطريقة التشييد

أشارت الدراسات الحديثة إلى أسباب قدرة المنازل الطينية في شبام على البقاء سليمة لمئات السنين. حيث يتم حفر أساسات عريضة لها يصل عمقها إلى متر أو مترين تحت الارض. ليتم بسط طبقة من روث الماشية في قاع الحفر، وترش فوقها طبقة من الملح. ويلي ذلك رص أعواد من الشجر توضع من فوقها طبقة من الرماد. ولتسوية الأساس توضع قطع غير مصقولة من الحجر.

وبعدها تبدأ عملية البناء بالحجر أو الطوب لرفع الأساس فوق سطح الأرض، بارتفاع 1 متر بغرض تدعيمه وحماية الجدران الخارجية للدور الأرضي من التآكل والتساقط. وفي هذه العملية، يستخدم الرماد أو الطين لربط الحجارة ببعضها البعض، ويتم تلبيس الجزء الأعلى من الجدار بطبقتين من الطين المخلوط بالتبن والرمل. وتأتي بعد ذلك عملية التجصيص بالنورة وهي مادة جيرية، أو الرماد، أما الأسقف فهي ترفع من أعواد خشب الأشجار، التي ترص بانتظام ثم تغطى بحصيرة من سعف النخيل توضع فيها طبقة من الطين.

وبحسب المعلومات، كانت تصل سماكة جدران الدور الأرضي للمنزل الشبامي إلى نحو 2 متر. وتتناقص هذه السماكة كلما اتجه البناء للأعلى، وتطلى المنطقة العليا من المنزل بطبقة من الجير الأبيض، ويكتمل سحر هذه البيوت بزخارف ونقوش فريدة على أبوابها الخشبية العتيقة.

شبام من الداخل© الصورة: وزارة السياحة/ Don Whitebread

المزايا البيئية لمدينة شبام الطينية

تكمن الفكرة الفريدة لبيوت الطين في مدينة شبام، في أنها تستجيب لمتغيرات المكان والزمان، ولعل المدهش أنها ومن منظور الهندسة المعمارية، تعد مبنية على قاعدة علمية من أسس علم التصميم البيئي. فهي تراث عمراني لديه القدرة على تلبية جميع متطلبات واحتياجات سكانها بما في ذلك المتطلبات البيئية. وهو ما تؤكده عدد من الأبحاث، التي وجدت أن البناء بمادة الطين له مميزات وخصائص عديدة تحقق مفهوم الاستدامة البيئية.

بنُيت مدينة شبام القديمة، على أنقاض شبام الأقدم منها، وهي ترتفع بحوالي 700 متر عن مستوى سطح البحر. وتمتاز بالانخفاض بنسبة الرطوبة، وارتفاع درجة الحرارة بشكل ملحوظ في ساعات الإشراق. ويحيط المدينة سور من الطوب الطيني بارتفاع 5-9 متر، وله في الجهة الجنوبية مدخل وحيد للمدينة.

وقد شكل ارتفاع المدينة عن الاراضي المحيطة بها، الحد من الانتشار والتوسع الافقي لها. وهي محاطة من 3 اتجاهات شمال وشرق وغرب، بأشجار النخيل وبساتين، الأمر الذي يعمل على التلطيف الجزئي لطقس المدينة. يعتبر الطين المجفف بالشمس مادة طبيعية صديقة للبيئة، وتكمن ميزة البناء بالطين في كونه يساعد على الحد من استنزاف الموارد الطبيعية. والحد من انبعاثات الكربون، وذلك لاستخدامه الحد الأدنى من المواد المصنعة.

يبرز نسيج عمراني متفرد، يميز مدينة شبام حضرموت عن غيرها، ما يعكس عبقرية العمارة التقليدية وتكيّفها مع البيئة بشكل مستدام. وتشير ورقة بحثية إلى أن “مباني الطين في مدينة شبام، توفر تقنية عزل هندسي بشكل كامل على نحو فريد، فهي تعزل الحرارة أو البرودة مما يؤدي الى التقليل من إهدار الطاقة. يتجسد ذلك التقدم الهندسي خاصة في بيئة المناطق الحارة والصحراوية” [10]

وغالباً، فإن مادة الطين لا تنفذ الحرارة من خلالها، إلا بعد وقت يصل الى 15 ساعة تقريباً، وفي ظل سماكة 40 سم، بينما هذا الأمر لا يتعدى سوى 5 ساعات فقط في جدار الاسمنت الذي يكون بسماكة 20 سم5.[11] يعد الطين مادة عازلة للصوت وللضجيج، أو ما يُعرف بيئياً بـ “التلوث الصوتي”، فمباني الطين هذه تؤدي هذه الوظيفة من خلال تكوينها وسماكة الجدران والمسامات المنتشرة في تكوين مواد البناء.[12]

توضح دراسة (حسين، 2018)، أن من أبرز مزايا بيوت الطين هي ”الحد من التلوث وسهولة التدوير، نظراً لأن الطين يعد مادة طبيعية متوازنة بيئياً، وهي توفر مناخاً صحياً للغاية داخل البيت، لدرجة يشعر بها السكان بالراحة التامة، والهدوء، حتى أن نفحة الهواء والأكسجين يكون صحياً للغاية، على عكس بيوت الأسمنت المطلية بالمعاجين والدهانات الكيميائية“.

علاوة على ذلك، فإن عملية البناء بمادة الطين والقش، يحد من التلوث ومن إنتاج النفايات عند البناء، ويحد من استنزاف البيئة في جميع مراحل التصنيع، أو حتى في حال هدم المنزل فالعناصر الطينية تمتاز بسهولة تدويرها، ولا تضر بالبيئة الطبيعية المحيطة بها كونها منتجة منها.

واجهة مباني شبام © حقوق الصورة: وزارة السياحة/ Don Whitebread

الخصائص الفيزوحرارية لمباني شبام

بالنظر إلى الخصائص الحرارية والفيزيائية لمواد البناء الطينية المستخدمة في مباني مدينة شبام التاريخية، فإن تأثيرها ينعكس بشكل مدهش على توفير الراحة في تلك المباني. وهو ما تؤكده دراسة (شيبان، والسقاف، 2017) التي ترى أهمية كبيرة لاستخدام مادة الطين ذات الصفات الفيزوحرارية في تشييد المباني، كونها تتناسب تماماً مع مناخ منطقة شبام.

تتمتع منطقة شبام بمناخ استوائي حار جاف، وطقس شديد التقلب في الصباح والمساء. وتوصي الدراسة بعدم استخدام المواد الحديثة في البناء كالخرسانة، لما لها من لها من سلبيات مؤثرة على توفير الراحة. ومن المعروف أن توفير مرافق الراحة للسكان يعد شرطاً ضرورياً ومهماً في المباني السكنية. وفي المناطق الحارة يمكن الحصول على الراحة من خلال استخدام اجهزة التكييف مما يتطلب استهلاك طاقة لا يستهان بها، وزيادة الطلب على الطاقة لتشغيل التكييف.

وجدت دراسة (شيبان، والسقاف 2017) أنه ”في حالة المباني الطينية في شبام، فإن مواصفات مادة الطين الممتازة تساعد على صياغة مرافق الراحة من غير استخدام انظمة التكييف؛ لما لهذه المادة من صفات حرارية خاصة، تجعلنا نعتمد على مرافق الراحة الطبيعي، ولا نستخدم الطاقة لغرض التكييف إلا في الحالات الضرورية عند اشتداد الحر في حال تطلب الأمر لذلك“.[13]

علاوة على ذلك، أظهرت تلك الدراسة أنه نظرًا للخصائص الحرارية والفيزيائية الممتازة للطين، ينبغي استخدام أنظمة تكييف الهواء التبخيري لتوفير الراحة في المباني الطينية خلال بعض أشهر السنة فقط، وليس طوال العام. حيث كشفت الدراسة أنه “لم يكن هناك انخفاض كبير في قوة الطين بين الظروف الجافة والرطبة”.

نوافذ بيوت شبام/الصورة: وزارة السياحة

الهندسة البيئية بين ناطحات شبام ودبي

بعيداً عن الفارق الزمني والقيمة التاريخية، تبرز عملية المقارنة بين مدينة شبام القديمة في حضرموت، حيث ناطحات السحاب الطينية التاريخية، ومدينة دبي في الامارات العربية المتحدة المزدهرة بناطحات السحاب الزجاجية الحديثة، كواحدة من أوضح المقارنات في فلسفة العمارة البيئية. كونها ستوضح لنا كيف يمكن لمدينتين تتشاركان في مناخ صحراوي جاف وشديد الحرارة، أن تحققا القدرة على تلبية جميع متطلبات واحتياجات ساكنيها، بما في ذلك المتطلبات البيئية.

يتجلى بوضوح أن شبام ودبي ينتهجان أسلوبين متناقضين تماماً لتحقيق الراحة للسكان: الاعتماد التام على الطبيعة في شبام، مقابل الاعتماد التام على التكنولوجيا والطاقة الكهربائية في دبي. وبالتالي ستكون المقارنة لصالح مدينة شبام دون تجاوز، وذلك لعدد من الأسباب، وهو ما سنوضحها تالياً.

المزيد من المشاركات

أ. الاستدامة ومواد البناء

تتفوق مدينة شبام التاريخية في استدامة المواد؛ إذ رُصِدت جدرانها وأبراجها الشاهقة ببراعة هندسية تراكمية قائمة على العلم والخبرة المحلية. شُيدت المباني بالكامل من “المَدَر” (وهو الطوب الطيني المخلوط بالقش والتبن)، والأخشاب المحلية، ومادة النورة والرماد الطبيعي. هذه المنظومة المادية الصديقة للبيئة بنسبة 100 بالمائة، لا تمتلك فقط ميزة القابلية الكاملة لإعادة التدوير دون أي انبعاثات كربونية، بل إن جدران الطين الكثيفة المخلوطة بالألياف الطبيعية تمتلك خاصية الكتلة الحرارية العالية.

تقوم هذه الجدران بامتصاص واختزان حرارة الشمس الشديدة طوال النهار، لتمنع نفاذها إلى الداخل، ثم تُطلقها ببطء شديد نحو الفراغات الداخلية ليلاً عندما تنخفض حرارة الصحراء، مما يخلق توازناً حرارياً ذاتياً دون استهلاك للطاقة. علاوة على ذلك، تعمل هذه السماكة الطينية كدرع طبيعي يصد الموجات الكهرومغناطيسية الخارجية ويحافظ على صحة السكان.

في المقابل، تبنت دبي المعايير الحداثية القائمة على الخرسانة المسلحة، والهياكل الفولاذية، والواجهات الزجاجية العملاقة. بالرغم من توظيف دبي لأحدث معايير العمارة الخضراء المعاصرة (مثل تقنيات الزجاج المزدوج العاكس والمظلل، وأنظمة “السعفات” المحلية، والطلاءات الذكية لتقليل الكسب الحراري)، إلا أن هذه المواد تظل ذات بصمة كربونية عالية جداً أثناء التصنيع والنقل، وتفتقر للتجانس الفطري مع البيئة الصحراوية، حيث تحول المواد الصناعية والكيميائية المستخدمة في العزل الحديث دون تحقيق بيئة حيوية نقية تماماً كالمواد الطبيعية.

ب. التخطيط الحضري وهندسة التهوية

يكمن عامل التفوق البيئي لمدينة شبام في تخطيطها الحضري المتقدم بيئياً والذي يعتمد على التهوية الطبيعية؛ فالشوارع الضيقة المتلاحمة والمباني المرتفعة والمتلاصقة صُممت لتوفر ظلالاً ذاتية مستمرة للمشاة ولجدران المباني طوال النهار، مما يقلل من المساحات المعرضة للإشعاع الشمسي المباشر. كما اعتمدت هندسة النوافذ كالفتحات العلوية والسفلية الدقيقة، على فيزياء تيار الهواء المستمر أو ما يُعرف بـ التبريد السلبي (Passive Cooling) عبر استغلال فروق الضغط لضمان تدفق هواء متجدد وبارد تلقائياً.

أما في مدينة دبي، فقد فرض تخطيطها القائم على الشوارع الفسيحة والمباني الشاهقة المنفصلة تحدياً بيئياً يُعرف بـ ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية (Urban Heat Island)،[14] حيث تمتص الشوارع الإسفلتية والواجهات الحرارة العالية، مما يزيد من سخونة المحيط. وتعوض دبي هذا التحدي عبر هندسة بيئية نشطة ومكلفة للغاية، كأنظمة التبريد المركزي للمناطق (District Cooling)، ودمج الطاقة الشمسية للمباني، وإعادة تدوير المياه الرمادية لري المساحات الخضراء العمودية لتلطيف الأجواء.

كما أن عوامل العزل الهندسي لمباني شبام في حضرموت، مكونة من مواد طبيعية من بيئتها، وهي عبارة عن الطوب اللبن المجفف بالشمس، والقش واخشاب ومادة النورة والرماد الطبيعي. ولعل جدار الطين المخلوط بالحشائش كالقش (التبن) يمكن أن يصد الموجات الكهرومغناطيسية ويمنعها من الدخول لداخل المباني. في حين ان عوامل العزل المستخدمة في المباني الاسمنتية الحديثة في مدينة دبي او غيرها، عبارة من مواد صناعية ومواد كيماوية غير صحية.

واجمالاً، فإن المواد المحلية كالطين واللبن المجفف بالشمس والتقنيات السلبية مثل ملقف الهواء وتأثير فينتوري،[15] تتفوق بيئياً وصحياً في المناطق الحارة والجافة على المواد الحديثة.[16]

ج. الصمود عند غياب الطاقة

يكمن الاختبار الحقيقي لكفاءة العمارة البيئية في قدرتها على الصمود أمام تقلبات الطقس والمناخ، وتوفير الراحة لساكنيها في الظروف الحرجة عند غياب الطاقة، أو انقطاع إمدادات التكييف الكهربائي.

إن الاعتماد الكلي للعمارة الحديثة كأبراج دبي على الطاقة الأحفورية أو الطاقة النظيفة لتشغيل المكيفات العملاقة يجعلها عمارة حرجة ذات اعتمادية فائقة. ومع افتراض غياب أو انقطاع الطاقة الكهربائية لفترة وجيزة في ذروة الصيف، ستتحول هذه الأبراج الزجاجية المُحكمة فوراً إلى ما يشبه “الأفران” أو الدفيئات الزجاجية وسط بيئة الصحراء، حيث يمكن أن تحتبس الحرارة في الداخل وتتوقف أنظمة التهوية الميكانيكية عن التبريد، مما يجعل الحياة والعزل الحراري في ظل غياب الطاقة مصدر عبء اضافي يزيد من حرارة المباني وبالتالي قد يتضرر السكان.

وعلى النقيض تماماً، تبرهن مدينة شبام على مرونتها الاستثنائية؛ ففي حال غياب الكهرباء، تستمر الحياة بداخلها بشكل طبيعي وانسيابي. تظل المنازل الطينية محتفظة ببرودتها النهارية ومقاومتها للطقس الخارجي بفضل المنظومة الديناميكية للطين والتهوية الطبيعية الذاتية.

تجسد ناطحات الطين بمدينة شبام، نموذجاً للعمارة الخضراء والاستدامة المرنة القادرة على الصمود، والتي تتكيف مع بيئة الصحراء بأقل الموارد وبدون طاقة. بينما ناطحات الزجاج في دبي تمثل عمارة الرفاهية والتحدي التكنولوجي التي طوعت الصحراء القاسية بأحدث تقنيات الهندسة البيئية، لكنها تظل عمارة حرجة تعتمد بالكامل على تدفق الطاقة الكهربائية.

هذه المقارنة لا تهدف إلى التقليل من القفزات الهندسية المذهلة التي حققتها مدينة دبي في تطويع بيئة الصحراء تكنولوجياً، بل تسعى إلى إبراز فلسفة عميقة لضرورة العودة إلى استلهام الحلول القائمة على الطبيعة. حيث أتثبتت مدينة شبام القديمة أن العمارة الخضراء الحقيقية هي تلك التي تمتلك مرونة البقاء والصمود بأقل الموارد وبمعزل عن استهلاك الطاقة، وهو الدرس الذي يجب على مخططي المدن الحديثة في البيئات الصحراوية استيعابه عبر دمج عبقرية خبرات الماضي في تقنيات المعمار القديم والمواد المحلية والأنظمة التقليدية مع التقنيات الحديثة، للوصول إلى طراز معماري يملك استدامة حقيقية وغير حرجة.

الخاتمة

تُثبت القراءة التحليلية لمدينة شبام التاريخية في حضرموت، أن الفجوة بين الماضي والحاضر في العمارة الخضراء ليست مجرد فجوة زمنية، بل هي فجوة فلسفية في فهم البيئة والمناخ والاستجابة لهما. فبينما نجحت الهندسة التكنولوجية -كما في نموذج مدينة دبي- في تطويع مناخ الصحراء القاسي عبر حلول هندسية نشطة، وفائقة الاعتماد على الطاقة الكهربائية والوقود الأحفوري، تبرهن ناطحات السحاب الطينية في شبام على عبقرية الهندسة المستدامة التي تحقق الامتثال الحراري بالاعتماد المطلق على الطبيعة وموادها المحلية الصديقة للبيئة بنسبة 100 بالمائة.

إن صمود مدينة شبام لقرون في وجه تقلبات المناخ وفي ظل غياب الطاقة وانقطاعاتها المستمرة في الغالب، -كما هو الحال في مناطق اليمن- يؤكد أن العمارة الخضراء الحقيقية، لا تُقاس بتعقيد أنظمتها الميكانيكية، بل بمرونتها الذاتية وقدرتها على توفير الحياة الآمنة والصحية للسكان بمعزل عن استهلاك الطاقة. لذا، فإن العودة إلى استلهام الحلول القائمة على الطبيعة والخبرات الهندسية في تأصيل وتطوير الطراز المعماري اليمني القديم، لم يعد ترفاً تراثياً، بل ضرورة حتمية لرسم سياسات تخطيط حضري مستقبلي، يوازن بين أصالة العمارة المستدامة ومتطلبات العصر في البيئات الجافة والحارة والريفية أيضاً في البلاد.

500 مبنى طيني في شبام © حقوق الصورة: وزارة السياحة/ Don Whitebread

التوصيات

بناءً على المزايا البيئية المثبتة للعمارة الطينية والعمارة اليمنية القديمة، تقدم هذه المقالة، مجموعة من التوصيات الإجرائية التالية للجهات الحكومية المعنية بالتخطيط الحضري والعمراني ومخططي المدن، والجامعات وكليات الهندسة، وتوصي بالآتي:

إلى وزارة الأشغال والهيئة العامة للأراضي والتخطيط العمراني:

الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة في عمليات التخطيط الحضري والعمراني للمناطق السكنية الجديدة في الجمهورية اليمنية، وذلك من خلال التالي:

  • الاستفادة من أنماط العمارة التقليدية التي أثبتت نجاحها في مدينة شبام القديمة، ومدينة صنعاء القديمة ايضاً، ومحاولة جعلها متوافقة مع الظروف الراهنة بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المحلية المتاحة، وتقليل استهلاك الطاقة والمال بما يسهم في تحسين وتطوير المنازل الحديثة.
  • حث المهندسين المعماريين وشركات المقاولات ومطوري العقارات في اليمن على الاستفادة من عمق الفكر التصميمي للعمارة التقليدية وتأصيل الأساليب المعمارية التي تتميز بها العمارة اليمنية القديمة، عند تخطيط المباني والمدن الحديثة، والمشاريع العقارية والسكنية.
  • الاحتفاظ بروح العمارة القديمة والتراث العمراني الأصيل والمتنوع في اليمن، وذلك من خلال العمل على تطوير الأساليب القديمة للعمارة اليمنية وتطبيقها على العمارة الحديثة، بما يتوافق مع الظروف المناخية، ويراعي الحفاظ على البيئة المحيطة.
  • وضع بروتوكول محلي في تخطيط المناطق الصحراوية، يلزم كافة المخططين والمعماريين والمكاتب الهندسية والشركات العقارية، بتبني استراتيجيات التخطيط المستدام كمدينة شبام (على سبيل المثال لا الحصر) وتأصيل تراثها بشكل عصري عند تصميم تجمعات سكنية جديدة. ويشمل ذلك:
  • الاستغلال الأمثل لعناصر المناخ والطبيعة (كالشمس والرياح) للتدفئة والتبريد، بغرض خفض استهلاك الطاقةـ ومحاكاة تخطيط الشوارع والممرات المتلاحمة والمتعرجة لتوفير التهوية والظل للمشاة والمباني.
  • توجيه المباني للاستفادة من فروق الضغط الجوي لتوليد تهوية طبيعية تسهم في تخفيف الاعتماد على استهلاك الطاقة في التكييف.
  • مراعاة الجوانب البيئية والاجتماعية والاقتصادية عند تصميم وتشييد المباني الحديثة، بحيث تكون مقاومة لتأثيرات المناخ والعزل الحراري وعوامل التعرية. مع مراعاة المتانة والثبات للمباني.
  • اعتماد المساحات الخضراء عند تخطيط المدن والمناطق السكنية الجديدة، وفهم وظائفها البيئية والاقتصادية، والتي تقوم بتصفية وتنقية الهواء والأكسجين، وتخفض درجة الحرارة، وتبرد الطقس، وتمتص أشعة الشمس المباشرة وتوفير الظلال وتقليل الإبهار. كما يلاحظ أن المساحات الخضراء كانت من السمات المهمة في تخطيط مدينة صنعاء القديمة من أجل دمج الطبيعة الخضراء مع العمران.
  • دعم تأسيس مختبرات ومصانع خضراء لإنتاج مواد البناء المحلية: إنشاء وحدات إنتاجية ومصانع محلية متطورة لإنتاج طوب الطين المضغوط والمجفف بالشمس ومواد العزل الطبيعية (كالنورة والرماد) بمعايير قياسية عالية، لضمان وفرة هذه المواد في السوق وخلق فرص عمل محلية تدعم الاقتصاد الأخضر والدائري.

إلى السلطة المحلية ومكتب البلدية في محافظة حضرموت:

  • عند التخطيط والتصميم للمناطق في محافظة حضرموت، ينبغي اشتقاق خصائص المناطق السكنية الجديدة من المكان والأرض التي توجد فيها، من أجل الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة في الموقع، بما يستجيب لمحددات الموقع وظروفه البيئية والطبيعية.
  • السعي نحو إصدار كودات بناء محلية (خاصة المناطق الصحراوية المشابهة) باعتماد الطين كمادة بناء أساسية ومعيارية للمباني السكنية منخفضة ومتوسطة الارتفاع.
  • تسهيل منح تراخيص البناء الطيني بفرض رسوم أقل من رخصة البناء الاسمنتي، وتوفير الحوافز الضريبية للمواطنين والمستثمرين والمطورين العقاريين الذين يتبنون العمارة الطينية والمواد المحلية الطبيعية في تشييد المباني الحديثة.
  • التوجه نحو اعتماد أنظمة تكييف الهواء التبخيري (الصحراوي) في المباني الطينية كبديل عن التكييف الفريوني المستهلك للطاقة؛ حيث أثبتت عديد من الدراسات الهندسية أن هذه الأنظمة تتكامل بشكل ملائم مع رطوبة وجفاف الطين، وتوفر راحة مثالية داخل المباني خلال أشهر الصيف الحرجة وبأقل تكلفة طاقة ممكنة.

إلى الجامعات والمؤسسات الاكاديمية اليمنية

  • تحديث مناهج الهندسة وإدراج العمارة الطينية والتصميم البيئي كمساق رئيسي في الجامعات والمؤسسات التعليمية اليمنية الحكومية والخاصة (أقسام الهندسة المدنية والمعمارية)، بدلاً من التركيز الحصري على عمارة الخرسانة والاسمنت والزجاج، وذلك لتخريج جيل من المهندسين القادرين على صياغة مرافق الراحة الحرارية طبيعياً.
  • حث طلاب كليات الهندسة المدنية والمعمارية بالابتعاد عن التقليد الأعمى للعمارة الغربية دون دراسة وفهم لواقع العمارة المحلية، ومحاولة تطويرها لإنتاج عمران حديث أصيل الهوية، يراعي البيئة ويحقق متطلبات التطور الحالي في مجال العمارة والبناء.
  • دعم مراكز الأبحاث في الجامعات لإجراء دراسات تطبيقية لتطوير تقنيات البناء بالطين وتطوير مادة “المَدَر” (الطوب الطيني) عبر دمج المعارف التقليدية (استخدام التبن، والرماد، والنورة) مع مثبتات بيئية حديثة ترفع من مقاومة الطين للرطوبة والسيول، دون الإخلال بخصائصه الفيزوحرارية الممتازة أو قدرته على التدوير الكامل.

 

المراجع والمصادر:

[1] الإرياني، مطهَر علي، غمْدان أوّل ناطحَة سَحاب في العَالم، مجلة التراث العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، العدد 58، يناير 1995ـ (الرابط)

[2] عطبوش، محمد، قصر غُمدان: حرم اليمن المفقود، مدونة عطبوش، 28 مارس 2019. (الرابط)

[3] الهمداني، ابي محمد الحسن، الإكليل، الجزء 8، دار الكلمة صنعاء، ودار العودة-بيروت. (الرابط

[4] Romey, K., (2015). ‘Engineering Marvel’ of Queen of Sheba’s City Damaged in Airstrike. National Geographic. (link

[5] Al-Hakimi, M, (2022). Old City of Sana’a: A Model of Green Architecture. Holm Akhdar. (link)  

[6] UNESCO. (2015). Yemen’s Old City of Sana’a and Old Walled City of Shibam added to List of World Heritage in Danger. (Link)

[7] ibid.

[8]  بدراوى، طارق، مدينة شبام اليمنية، مجلة السياحة العربية، المملكة العربية السعودية، 2019. (الرابط)

[9] المرجع نفسه.

[10] حسين، فاطمة، “تكاملية البناء بالطين في والمعالجات التصميمية للفراغات الداخلية للمبنى“، مجلة العمارة والفنون، جامعة بني سويف، جمهورية مصر العربية، مايو، 2018. (الرابط

[11] المرجع نفسه.

[12] شيبان، مشعل، والسقاف، محمد، “الخصائص الفيزوحرارية للمواد الطينية في مباني شبام التاريخية وأثرها على توفير مرافق الراحة في تلك المباني”، مجلة الاندلس للعلوم التطبيقية، جامعة الاندلس، صنعاء. 2017، العدد (8)، ص 77.

[13] المرجع نفسه.

[14] ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية (Urban Heat Island): هي ظاهرة ترتفع فيها درجات الحرارة في المناطق الحضرية (المدن) مقارنةً بالمناطق الريفية المحيطة بها، نتيجة كثافة المباني والطرق والأسطح الخرسانية وقلة الغطاء النباتي والأنشطة البشرية التي تولد الحرارة.

[15] تأثير فنتوري (Venturi Effect): هو ظاهرة في ديناميكا السوائل تنص على أن ضغط المائع (سائل أو غاز) ينخفض عندما يمر عبر منطقة تضيق (عنق) في أنبوب، مما يؤدي إلى زيادة سرعته. سمي نسبة للعالم الإيطالي جيوفاني باتيستا فنتوري، وهو تطبيق عملي لـ مبدأ برنولي وحفظ الطاقة، حيث تُحوّل الطاقة الحركية المتزايدة إلى انخفاض في الضغط الساكن.

[16] فتحي، حسن. (1986). الطاقة الطبيعية والعمارة التقليدية: مبادئ وأمثلة من المناخ الجاف. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط
error: Content is protected !!