المخرج الإيطالي الذي أشغل نفسه بإنقاذ صنعاء

باسوليني يصور فيلم صنعاء/ تصوير: روبرتو فيلا

حلم أخضر (خاص) صنعاء

لا يعرف غالبية اليمنيون، اسم الروائي والمخرج السنيمائي الإيطالي، بيير باولو باسوليني، وهم لا يعرفون أيضاً أن هذا الأديب والمخرج الراحل، زار مدينة صنعاء في سبعينيات القرن الفائت، وصّورَ فيلماً وثائقياً عن مباني صنعاء، وكان أول من أطلق نداءً لمنظمة اليونسكو دعاها لحماية التراث المعماري والطبيعي لمدينة صنعاء القديمة. إليكم تفاصيل هذه القصة “المنسّية” التي تعقبها حلم اخضر من مصادر متعددة.

في العام 1972، وفي مقابلة أجريت معه ونشرت لاحقاً، قال المُخرج الإيطالي بيير باسوليني: «من الناحية المعمارية، اليمن هو أجمل بلد في العالم. وصنعاء هي البندقية على الرمال. وهي مدينة لا يكمن جمالها في آثارها القابلة للتلف، ولكن في تصميمها الذي لا يضاهى».

وفي كتابه الوثائقي الذي صدر بعنوان: «L’Oriente di Pasolini» أورد باسوليني رحلاته الطويلة إلى البلدان النائية والعتيقة مثل: إيران واليمن، وقد جذبته مدينة صنعاء القديمة على نحو لم يكن يتخيله، وقد وردت صنعاء في بعض مقابلاته ونصوصه الشعرية والأدبية النادرة، المكتوبة بلغة سرد جمالية، توثق الأنثروبولوجيا وتعارض “التنمية التي تدمر العالم القديم” في العصر الحاضر. وفي الكتاب قال باسوليني: «أحد أحلامي أن أشغل نفسي من أجل إنقاذ صنعاء».

وبالفعل، سعى المخرج الإيطالي باسوليني، الحائز على الجائزة الكبرى لمهرجان كان السينمائي، للأفلام الطويلة في العام 1974، لتحقيق حلمه المتمثل في: إنقاذ تراث صنعاء. وفقاً لتقرير منظمة OASIS الايطالية.

باسوليني يصور فيلم جدران صنعاء

في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1970، وفي زيارته لليمن، صّور المخرج الإيطالي باسوليني، فيلماً وثائقيًا قصيراً مدته 13 دقيقة، عن مدينة صنعاء القديمة، بهدف إطلاق مناشدة عالمية إلى منظمة اليونسكو لحماية مباني صنعاء القديمة البالغ عددها أكثر من 6,000 ألاف منزل طيني، والحفاظ على قيمتها التاريخية والثقافية والمعمارية الفريدة من نوعها.

وبحسب مؤسسة دراسات PPP، فانه تم تصوير الفيلم على أنه «فيلم وثائقي على شكل نداء لليونسكو للتدخل لحماية جمال تلك المدينة التي شعر باسوليني أنها البندقية الرملية الحالمة والمثالية».

وطبقاً لأحدى المصادر، صدرَ الفيلم الوثائقي القصير، للمخرج الايطالي بيير باسوليني، وعُرض لأول مرة في 20 يونيو/حزيران 1974، في سينما الكابيتول في مدينة ميلانو، تحت اسم: «جدران صنعاء Le Mura Di Sana’a»، ويتحدث عن الجمال المذهل لمدينة صنعاء القديمة، والوعي المحزن بتدمير العالم القديم الذي أحدثته التنمية. باعتبارها «العالم الحقيقي الوحيد المتبقي» كما قال باسوليني.

وتشير إحدى الكتابات، لبعض التفاصيل حول انتاج فيلم أسوار صنعاء، بالقول: «في نهاية تصويره فيلم “ديكاميرون” في صنعاء، قرر باسوليني أن يصنع سلسلة من التسجيلات للمركز التاريخي للعاصمة اليمنية وللسكان المحليين. ويتم تحرير تلك اللقطات في هذا الفيلم القصير. والقصد، باعتراف الجميع، هو مناشدة اليونسكو لتولي مسؤولية حماية مدينة صنعاء التي تعود إلى القرون القديمة».

باسوليني في صنعاء 1971/ الصورة: ODT

وتفيد أحد المصادر الناقدة، «كانت بعض العبارات بالفيلم مليئة ببعض الغطرسة مثل العبارة التالية: (هذا النداء باسم الشعب اليمني الذي لم يفعل ذلك بعد، ولكن بالتأكيد سيفعل) وكانت الرؤية التي يلتقطها الفيلم واضحة للغاية على التغييرات الحقيقية الحاصلة في المدينة، وكانت الفكرة السينمائية الأنسب هي أخذ سلسلة لقطات لقدامى اليمنيون للتأكيد على غزو التنمية والسلع الاستهلاكية، ان الفيلم الوثائقي مثير للاهتمام، ولكن العمل عليه كان مربكاً».

ويقول باسوليني في حديثة عن فيلمه: «كان يوم الأحد آخر يوم قضيناه في صنعاء، عاصمة شمال اليمن. وكان لدي بعض اللقطات المتبقية من تصوير الفيلم. ونظريًا، لم أمتلك الطاقة لبدء إنتاج هذا الفيلم الوثائقي؛ ولا القوة البدنية أيضًا. وبالرغم من ذلك، كانت لدي طاقة وقوة جسدية كافيتين، أو على الأقل جعلتهما كافيين. لقد كنت شديد الحرص على القيام بشيء ما».

ويضيف باسوليني: «شعرت أن مشاكل صنعاء هي مشكلتي. إن التشوه، الذي يغزوها مثل الجذام، يصيبني بألم، وغضب، وإحساس بالعجز، وفي نفس الوقت، يمنحني رغبة محمومة في فعل شيء ما، لذلك اضطررت إلى تصويره بشكل قاطع».

وفي المؤتمر الصحفي للجامعة العربية الإيطالية، في أكتوبر/تشرين الأول 1974، في روما، قال باسوليني: «في هذه الأثناء، كل يوم يمر تنهار قطعة من جدران صنعاء، أو تختفي في البناء الحديث».

قدمَ باسوليني في الفيلم لقطات وثائقية نادرة وبالألوان، لمدينة صنعاء التاريخية، إحدى أقدم المدن المأهولة في العالم. وتفاصيل عديدة تظهر طقوس ومباني وأزقة صنعاء، وحركة التنمية، ودخول الاسمنت وتعبيد الطرق بالإسفلت حول المدينة الطينية، وفي الفيديو يظهر تعليق صوتي لباسويني يدعو فيه اليونسكو لحماية التراث المعماري للمدينة قبل أن تدمرها التنمية.

ويُظهر في الدقائق الأخيرة من هذا الفيلم الوثائقي الجميل، مدينة أورط Orte الإيطالية، في مقاربة لحالة المدن التي عبثت بها التنمية الجامحة في منتصف القرن الـ20، دون مراعاة لفهم التراث وتأصيله أسلوبه بالعصر الحديث بشكل مستدام حديث. وينتهي الفيلم بنداء عابر لليونسكو لحماية التراث المعماري لصنعاء القديمة.

سور صنعاء سنة 1955/ الصورة من: محمد العمري

نداء باسوليني لليونسكو لإنقاذ صنعاء

هذا هو النص الحرفي لكلمات النداء الذي وجهه المخرج الإيطالي باسوليني لمنظمة اليونسكو، في فيلمه الوثائقي جدران صنعاء، والمنشور في موقعه الالكتروني ، وهو كالتالي:

« نتوجه إلى اليونسكو لطلب مساعدة اليمن على إنقاذ نفسه من الدمار الذي أصابها، والذي بدأ بهدم أسوار صنعاء.

نلجأ إلى اليونسكو لمساعدة اليمن على إدراك هويته، وإدراك البلد الغالي الذي هو عليه .. نلجأ إلى اليونسكو لطلب المساعدة في وقف التكهنات البائسة في بلد لا يدينها أحد.

نتوجه إلى اليونسكو لنجد إمكانية إعطاء هذه الأمة الجديدة، الوعي بأنها خير مشترك للإنسانية، وضرورة حماية نفسها من أجل البقاء كذلك.

نناشد اليونسكو للتدخل، في الوقت المناسب، لإقناع الطبقة الحاكمة الساذجة، بأن ثروة اليمن الوحيدة هي جمالها، والحفاظ على هذا الجمال يعني قبل كل شيء امتلاك مورد اقتصادي لا يكلف شيئًا. لقد حان الوقت على اليمن لعدم ارتكاب الأخطاء التي ارتكبتها الدول الأخرى.

نناشد اليونسكو، باسم الإرادة الحقيقية للشعب اليمني، وإن كانت غير معلنة.

باسم الرجال البسطاء الذين طهرهم الفقر.

باسم نعمة العصور المظلمة.

باسم القوة الثورية الفاضحة للماضي». (1970-1974)

صنعاء القديمة/ حقوق الصورة: Eric Lafforgue

حلم باسوليني يتحقق بصنعاء

من المؤكد، أن مدينة صنعاء القديمة التي أصبحت مأهولة بالسكان بشكل مستمر منذ أكثر من 2500 سنة. والتي تصنف اليوم مدينة متقدمة بيئياً ومعمارياً، كانت قد استحوذت على اهتمام بازوليني بشكل لافت. إذ تشير المصادر أنه كان يقارنها بمدينة البندقية الإيطالية، التي تملكت على جاذبية باسوليني ومشاعره الصادقة.

لكن المحزن، أن المخرج الإيطالي باولو باسوليني، تعرض للقتل، وفارق الحياة في الـ2 من نوفمبر/تشرين الثاني 1975، إثر حادث دهس مروري متعمد في مدينة روما. لكن حلمه لم يمت معه.

بعد ذلك النداء الذي أطلقه المخرج الايطالي لحفظ تراث صنعاء، وبعد مرور عقد من الزمان، تحقق أخيراً حلم باسوليني. استغرق الامر فقط 11 عاماً، دون أن يعلم باسوليني بذلك.

وفي العام 1986، أعلنت منظمة “اليونسكو”، إدراج صنعاء القديمة، في قائمة مواقع التراث العالمي، واختارتها باعتبارها “تحفة عبقرية خلاقة من صُنع الإنسان”. وإحدى القيم الإنسانية الهامة والمشتركة، في تطور الهندسة المعمارية أو التقنية، أو الفنون الأثرية، أو تخطيط المدن، أو تصميم المناظر الطبيعية.

وفي العام 1988، أطلقت حملة دولية لحفظ وترميم تراث مدينة صنعاء القديمة، بمساعدة من (صندوق باسوليني) في روما الذي أنشأته لورا بيتي.

وبحسب المصادر ذهب في نفس العام، وفد إيطالي رسمي، مؤلف من: رومانو برودي، من قبل وزارة التراث الثقافي، لورا بيتي وإنزو سيسيليانو، إلى العاصمة صنعاء، حيث كانت إيطاليا هي التي أرادت بدء مشروع تجريبي لترميم مدينة صنعاء، لمدة عامين من العمل، وبميزانية تبلغ نحو 15 مليار ليرة (العملة الوطنية الإيطالية آنذاك).

شاهد الفيلم الوثائقي: أسوار صنعاء – بيير باسوليني 1971

باب اليمن مدخل صنعاء القديمة – الصورة: ODT
الاشتراك في النشرة البريدية
الاشتراك في النشرة البريدية
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا من أجل مواكبة التطورات.
بإمكان إلغاء اشتراك في أي وقت
تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط