fbpx

اليمن: تهديدات صحية جراء تسرب النفط

تلوث التربة بالنفط في تمورة شبوة/ تصوير: حلم أخضر

فريق حلم أخضر – تقرير خاص

في تشرين الثاني/نوفمبر 2010، تعرضت محافظة شبوة وسط اليمن، لتلوث نفطي لأول مرة في منطقة كيلو 31 الشبيكة بمديرية عتق. ومنذ ذلك الحين، توالت عشرات الكوارث البيئية جراء التسربات النفطية المتكررة. وتضررت منها 6 مديريات.

وطيلة الشهور الماضية من العام الفائت 2020، تعرضت مديريتي الروضة وحبان بشبوة لتلوث نفطي خطير، جراء تلف أنبوب امداد النفط، الذي يربط حقول الانتاج في منطقة غرب عياد، بخزانات التصدير في النشيمة. والذي تملكه وتديره الشركة اليمنية للاستثمارات النفطية والمعدنية YICOM، وهي شركة حكومية يمنية.

وفي الأسبوع الفائت، زارت كاميرا «حلم أخضر» المناطق المتضررة من تسرب النفط في وادي تمورة، ووادي غرير بمديرية الروضة بشبوة، حيث أضحت الكارثة البيئية تهدد مستقبل السكان المحليين.

تلوثت مساحات شاسعة ببقع الزيت في مناطق السهول وأجزاء الصحراء، وطفت برك النفط على السطح داخل أراضي المحاصيل الزراعية. ووصل الانسكاب النفطي الى مصادر المياه الجوفية، حيث غمرت عدداً من الآبار بالنفط الخام.

التلوث النفطي يهدد سكان شبوة

تبلغ مساحة محافظة شبوة حوالي 47,584 كم2. وهي تنقسم إلى 17 مديرية. وتعد الزراعة والفلاحة، وتربية النحل، وصيد الأسماك من أهم أنشطة الدخل الرئيسة لسكان المحافظة.

وخلال الشهور الـ 11 الماضية، لم يجد المتضررين في منطقتي تمورة، ووادي غرير بمديرية الروضة، استجابة أو حلول من الجهة المتسببة بالضرر، بما يخفف معاناتهم من التلوث النفطي الذي يحاصر المنطقة.

وقال لـ «حلم أخضر»، محمد حبتور، أحد سكان وادي غرير: “في أبريل 2020، بدأ تسرب النفط في وادي غرير، وقد أثر بشكل كبير على الزراعة في هذه المنطقة، ومنذ ذلك الحين، لا يزال التسرب الى اليوم مستمر”.

“قبل 11 شهر، زار المنطقة المتضررة، وزير النفط وعدد من مسؤولي الحكومة، وشاهدوا حجم التسرب النفطي! ووعدوا السكان بعمل حلول. لكن لم يتغير شيء حتى الان”. قال حبتور.

محمد حبتور احد سكان وادي غرير، شبوة/ © حلم أخضر
محمد مجور – مدير الهيئة العامة للبيئة شبوة/ حلم أخضر

تسرب النفط وحالات السرطان

يؤكد مدير عام الهيئة العامة لحماية البيئة بمحافظة شبوة، محمد سالم مجور، أن هناك تأثيرات كبيرة بسبب التلوث النفطي في منطقة الغرير (غرير السعيد) في هذه الأيام بسبب الانبوب النفطي الممتد من منطقة عياد الى النشمية.

وفي حديثه لـ «حلم أخضر»، قال محمد مجور: “أدى تهالك هذا الانبوب وتسرب النفط الى تلف التربة الزراعية، وتدهور الزراعة بشكل عام في المنطقة. كما أثرت الكارثة على مصادر المياه ومياه الشرب، التي يعتمد عليها المواطنين. توجد أكثر الابار في بطون الاودية التي تتعرض لتسربات نفطية”.

“في الآونة الأخيرة تزايدت أعداد حالات الإصابة بالسرطانات وامراض الكلي في المحافظة، كما سجلت في مركز الأورام السرطانية بشبوه 296 حالة إصابة بالسرطان خلال العام 2020. مقارنة بوجود 120 حالة إصابة فقط في العام 2019”.

“لقد تضاعف العدد بشكل مضاعف، وبمقدورنا القول ان النسبة بلغت 100%. لكن الامر يحتاج لدارسات أكثر لمعرفة ما إذا كانت هذه التـأثيرات الصحية المباشرة في تلك المناطق بسبب التلوث النفطي”. قال مجور.

FSO Safer. Ras Isa area, Al Hodeidah. © Holm Akhdar

ناقلة صافر: كارثة كبرى وشيكة!

على الضفة الأخرى، شمال الساحل الغربي في البحر الأحمر، تبدو اليمن عرضة لتهديد أكبر، من ناقلة النفط صافر، المهجورة قبالة سواحل رأس عيسى بمحافظة الحديدة منذ 6 سنوات. وعلى متنها 1,148 مليون برميل من النفط الخام.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016. توقفت المراجل البخارية في ناقلة صافر، عن انتاج الغاز الخامل للحماية. وارتفعت خطورة المواد المتبخرة من النفط الخام بنسب عالية جداً.

وفقاً لتحليل المخاطر، الذي أعده خبراء Riskware، فإن الأمر قد يزيد من احتمالية حدوث انفجار، جراء اشتعال الغازات المتراكمة في صهاريج التخزين. وقد يؤدي احتراق النفط في التسبب بمستويات عالية من تلوث الهواء.

انوجرافيك © حلم أخضر: التاثيرات الصحية المحتملة جراء كارثة صافر الوشيكة

تلوث الهواء قد يصيب 6.2 مليون شخص

في حال حدوث كارثة تلوث على سواحل اليمن من ناقلة النفط صافر، سيؤدي ذلك الى خلق أزمة جديدة كبرى، داخل الازمة الانسانية التي تصفها وكالات الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.

تشير التقديرات بحسب تحليل Riskware، إلى أن تلوث الهواء الناتج عن احتراق أو تبخر النفط الخام من ناقلة صافر، قد يؤثر على حوالي 6.2 مليون شخص في اليمن.

يمكن القول أن السكان المحليين سيصبحون عرضة لصدمات صحية غير متوقعة، في ظل انهيار 50% من المرافق الطبية التي دمرتها الحرب في اليمن.

وسيحتاج ملايين من المتضررين، إلى رعاية صحية طارئة وطويلة الأجل، كما ان أعداد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي الذين سيحتاجون للعلاج، سيطغون على نظام صحي متهالك، يعاني بالفعل من جائحة وباء COVID-19.

كما أن حوالي 40% من الأراضي الزراعية في اليمن (500 كيلومتر مربع) ستكون مغطاة بالسخام، جراء تلوث الهواء في حال وقوع الكارثة.

وقال الدكتور عبد الغني جغمان، الخبير والاستشاري البيئي: “سيحدث تلوث للهواء سواء احترق الزيت أو لم يحترق. وفي حال احترق النفط، ستكون كارثة. وإذا لم يحترق سوف تتطاير وتتشتت منه مواد خفيفة. لن يكون الضرر على الشواطئ فقط، ولكن أيضًا في السواحل والسهول الساحلية والمرتفعات الجبلية المطلة عليه”.

تسرب النفط في وادي غرير مديرية الروضة شبوة/ الصورة © حلم أخضر- تصوير: عمار نميش

أمراض خطرة على السكان

يؤدي احراق النفط الخام الى حجب اشعة الشمس والتقليل من التيارات الهوائية والرطوبة في الهواء. ولعل ذلك يؤثر بدرجة كبيرة على النشاط الميكروبي والحيواني والنباتي بشكل عام.

وفي حال حدوث احتراق للنفط من ناقلة صافر، فإن الدخان الكثيف للنفط المحروق سيحمل مواد هيدروكربونية أروماتية خطرة، لها تأثيرات صحية فادحة للغاية.

تشير مصادر متعددة، ان هذه المركبات السامة تؤدي الى التسبب في الاصابة بأمراض الجهاز الهضمي، وأمراض الجهاز التنفسي، والالتهابات الرئوية الحادة.

كما أن المركبات السامة للنفط، تؤدي إلى الاصابة بسرطانات الرئة والجلد، والولادات المبكرة والعيوب الخلقية عند الاجنة وحديثي الولادة، وتضعف المناعة.

FSO SAFER. 2019 © Holm Akhdar

في حال -لا سمح الله- تعرضت ناقلة صافر للانفجار، سيؤدي الاحتراق الشديد للنفط إلى انبعاث الغازات السامة، وتصاعد سحب الدخان. وسوف تتكون مشكلة كبرى جراء الأمطار الحامضية، والتي ستؤثر بشكل مباشر على تلويث البيئة والمحاصيل الزراعية، وبالتالي على صحة الانسان

الدكتورة اشراق السباعي الوكيل المساعد لوزارة الصحة والسكان - عدن

تأثير التلوث على النوع الاجتماعي

ترى الدكتورة اشراق السباعي، الوكيل المساعد لوزارة الصحة، والمتحدث الرسمي لـ اللجنة الوطنية العليا للطوارئ ومواجهة كوفيد19 بمحافظة عدن. أن ثمة تأثيرات يتسبب بها التلوث النفطي على النوع الاجتماعي في محافظة شبوة كحالة راهنة. كونها تتعرض لانسكابات نفطية متكررة منذ عقدين ماضيين.

عملت الدكتورة اشراق، طيلة الـ 18 سنة ماضية، كطبيبة أمراض النساء والولادة في محافظة شبوة. وخلال فترة عملها، لاحظت أن أكثر الحالات المرضية التي كانت تصلها هي: التشوهات الخلقية والولادات المبكرة، وامراض السرطان، على حد قولها.

وفي حديثها لـ «حلم أخضر» قالت الدكتورة اشراق: “قمنا بدراسة بحثية، ونحن على وشك تقديمها لمركز المرأة بجامعة عدن، وقد توصلنا الى ان مناطق الدراسة، أصيبت بالكثير من امراض التشوهات الخلقية والولادات المبكرة، والكثير من أمراض العقم. ولاحظنا مدى تأثيراتها على النوع الاجتماعي”.

وأضافت: “لاحظنا في مناطق الدراسة، تأثير التلوث على جسم الانسان، هناك من أصيبوا بسرطان الجلد وامراض البرص. ونطالب الجهات المعنية بإصلاح الوضع، وخصوصاً في المناطق القريبة من حقول النفط. وعلى الشركات النفطية القيام بواجبها للحفاظ على البيئة، واستخدام الأساليب الحديثة عند استخراج النفط، والقيام بالتوعية للمجتمع المتضرر”.

“لا سمح الله، في حال تعرضت ناقلة صافر للانفجار، سيتسبب الاحتراق الشديد للنفط بانبعاث الغازات وتصاعد سحب الدخان. وسوف تكون مشكلة كبرى من الامطار الحامضية. التي ستؤثر بشكل مباشر على تلويث البيئة والمحاصيل الزراعية، وعلى صحة الانسان”. قالت د. اشراق.

عندما تتراكم العناصر السامة والثقيلة للنفط المتسرب، داخل أجسام الكائنات البحرية الحية، ممكن أن يؤدي ذلك إلى تلوثها أو تدميرها. أيضاً البشر الذين يتغذون على الاسماك والاحياء البحرية سيحدث لهم تلوث أو تسمم في أجسامهم عند تناولها

البروفيسور هشام ناجي أستاذ البيئة الساحلية - جامعة صنعاء

تأثيرات صحية أخرى ترتبط بالإستهلاك

بحسب الخبراء، تتأثر صحة السكان في المجتمعات الساحلية، ومعها الاحياء البحرية، والتي تصبح عرضة للتهديد جراء حوادث التلوث البحري بالنفط الخام، الناتج عن نفايات السفن أو التسرب من ناقلات النفط.

في هذا السياق، يحذر الدكتور هشام ناجي، أستاذ البيئة الساحلية بجامعة صنعاء، من هذه التأثيرات عند تسرب النفط في البحر، وظهور بقع زيتية ونفطية على سطح الماء. والتي تتسبب بمشكلة كبيرة ذات تداعيات بيئية وصحية.

وقال الدكتور هشام لـ «حلم أخضر»: “في حال حدوث ذلك، فإن البقع النفطية هذه، ستبدأ بالذوبان وتختلط في الماء، مكونة مستحلب نفطي. هذا المستحلب النفطي يسبب عملية اختناق كونه يعمل تغطية الكائنات البحرية ومنعها من التنفس وبالتالي اختناقها. ستحمل الأسماك/والاحياء البحرية بداخلها عدد كبير من العناصر الثقيلة والعناصر السامة”.

وأضاف أستاذ البيئة الساحلية: “هذه العناصر السامة والثقيلة للنفط، عندما تتراكم داخل أجسام الكائنات البحرية الحية ممكن تؤدي الى تلوثها أو تدميرها. وايضاً البشر الذين يتغذون على هذه الكائنات -الاسماك والاحياء البحرية- سيحدث لهم تلوث أو تسمم في أجسامهم عند تناولها”.

بئر مياه تلوث بالنفط في شبوة/ حقوق الصورة © حلم أخضر. تصوير: عمار نميش
تلوث التربة الزراعية بالنفط في وادي غرير شبوة/ حقوق الصورة © حلم أخضر. تصوير: عمار نميش
تلوث التربة بالنفط في وادي تمورة شبوة/ حقوق الصورة © حلم أخضر- تصوير: عمار نميش

تدمير نسيج التربة الزراعية

يرى الدكتور عبد الوهاب السنباني، أستاذ اللافقاريات المشارك، في جامعة ذمار، أن أبرز التأثيرات الصحية للتلوث بالنفط الخام في اليابسة هي اتلاف المحاصيل الزراعية.

ولعل ذلك الأمر، يبدو واضحاً اليوم، كما هو الوضع الراهن للتلوث النفطي في محافظة شبوة.

ويؤكد الدكتور السنباني أن “الخطورة تكمن في تدمير نسيج التربة، وقتل الاحياء المجهرية كالنيتروموناس والنايتروباكتر اللتان تساهمان في تثبيت النيتروجين الجوي الهام في نمو وتكاثر العديد من النباتات، خاصة التي تحتاج لتكوين البروتين بجسمها كالبقوليات”.

وأضاف السنباني لـ «حلم أخضر»: “بالنسبة للتلوث المائي بالنفط (البحار والمياه العذبة) فانه يعمل على تدمير الكائنات الحية ضمن نطاق المساحة الملوثة، سواء كانت هذه الكائنات اسماك او كائنات حية طافية او قشريات او احياء مثبتة للأوكسجين كالدياتومات والطحالب الخضراء ويصل التلوث من مسافة سطح البحر حتى عمق 200 متر تحت الماء”.

“يلحق النفط المتسرب الضرر أيضا بالطيور التي تتغذى على الأسماك، كما تعمل جزئيات النفط المترسبة على تخريب الشعاب المرجانية واحداث خلل في النوع الحيوي. وهذا كله ينعكس ضرره على الانسان بشكل مباشر، كونه المستهلك العام للكائنات البحرية”. قال السنباني.

النفط يغمر وادي تموره شبوة/ حقوق الصورة © حلم أخضر. تصوير: عمار نميش
مياه الري تلوثت بالنفط في وادي غرير/ © حقوق الصورة: حلم أخضر- تصوير: عمار نميش

تسرب نفط صافر قد يصل لسواحل شبوة!

بحسب الدراسات، يبلغ طول الشريط الساحلي لليمن أكثر من 2,200 كيلومتر. وهو يمتد من البحر الأحمر حتى خليج عدن وصولاً للبحر العربي.

وتشير الاحتمالات، إلى ان تأثير انسكاب أو احتراق النفط الخام من خزان صافر، قد يمتد بسبب ظروف التيارات المائية والرياح والتشتت. ويصل لأطراف المدن اليمنية المطلة على الساحل الغربي وخليج عدن والبحر العربي.

يتفق مدير هيئة البيئة بشبوة، محمد مجور، مع فرضية حدوث ذلك، ويؤكد لـ «حلم أخضر» أن “سواحل شبوة من السواحل الحساسة بيئياً نظرا لوجود الشعب المرجانية، وتنوع الثروة السمكية. وفي حال حدوث تلوث بحري من ناقلة صافر، سيؤدي ذلك الى كارثة بيئية كبيرة في شبوة”.

ويقول مجور: “إذا حدث انفجار او تسرب نفطي من ناقلة النفط صافر، ستتعرض سواحل محافظة شبوة لكارثة بيئية نظراً لوجود محميات بيئية، مثل محمية بير علي، التي تضم 5 جزر. وقد تتعرض الشعاب المرجانية للتلف، وكذلك الأسماك. وسيؤدي ذلك الى كارثة لن تحتملها محافظة شبوة”.

في حال وقوع كارثة، جراء اشتعال الغاز من صهاريج التخزين في ناقلة صافر، قد تصل الغازات السامة إلى المدن والمناطق السكنية الشمالية الغربية والجنوبية على امتداد الساحل اليمني. وقد تظل تأثيراتها طويلة الأمد على المدى البعيد، وليس أقل من ذلك.

المراجع:

– د. عبدالغني جغمان، د. عبدالمنعم حبتور، دراسة “التلوث البيئي النفطي وآثاره على البيئة في اليمن”. Ultare Consulting  للاستشارات، بوخارست رومانيا. 2020.

– عماد مكي، “انبعاثات صناعة تكرير النفط ومصادرها وطرق معالجتها”، (النفط والتعاون العربي) المجلد الرابع والاربعون- العدد 164- 2018.

– “ناقلة صافر: تقييم المخاطر والأثر”، شركة Riskaware، بريطانيا، نوفمبر 2020.

– التقرير الوطني السادس للتنوع البيولوجي في اليمن، الهيئة العامة لحماية البيئة، وبرنامج الأمم المتحدة UNDP، مارس 2019.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط
error: Content is protected !!