تقرير: عبد العليم الحاج*
على المدخل الغربي لمدينة تعز جنوب غرب اليمن، وتحديداً في منطقة “مفرق شرعب”، يقع مكب النفايات في داخل منطقة سكنية تحيط به.
ويبدو المقلب وقد أصبح تلة كبيرة ترتفع عن 50 متراً تقريباً من المخلفات تعتليه جرافة وحيدة تسحب خلفها دخاناً اسود، وكأنه احد المعالم البارزة لثقافة سلطة لا تشيد سوى أهرامات من عفن كعادتها في حصد أرقام الفساد، متجاهلة نتائج عدة دراسات -ضمنها دراسات للبنك الدولي- تفيد بعدم صلاحية المقلب وضرورة نقله إلى مكان آخر خارج المنطقة، مقترحة تحويل المكان إلى متنفس أو مصنع لتدوير المخلفات.
المقلب الذي يستقبل ما يقارب 300 طن من المخلفات يومياً، أصبح ملاذاً لشريحة كبيرة من الناس يشدون إليه رحالهم من مناطق مجاورة مع مطلع كل صباح وعيونهم ترقب من بعيد كل ما تحمله إليهم شاحنات النظافة من مخلفات المدينة، هي بالنسبة لهم المصدر الوحيد الذي يمنحهم الحياة وإن كان محفوفاً بالمخاطر. فيما وجد العديد من سكان المنطقة أنفسهم مضطرين للرحيل ومغادرة المكان وترك منازلهم نتيجة الأمراض والأوبئة التي فتكت بهم بسبب المقلب وحولت حياتهم إلى جحيم.
منذ الصباح الباكر تتوجه “عائدة” -وهي فتاة مهمشة- إلى مقلب القمامة في مفرق شرعب في سباق مع الزمن علها تظفر بكميات من المعدن أو البلاستيك أو ورق الكرتون، حالها حال الآلاف من طبقة المهمشين الذين يعملون في نبش القمامة بحثاً عن لقمة تبقيهم على قيد الحياة.
تقول عائدة: نحن معذبون في هذه الحياة ونعمل تحت حرارة الشمس ونستنشق الأدخنة ونتعرض بسببها لأمراض الكبد والصداع وضيق التنفس وأمراض القلب.
“منذ أن كنت طفلة صغيرة، وأنا ألعب في مكب النفايات هذا، وعند زواجي تم زفافي من هذا المكان”. قالت عائدة ساخطة من وضعها المزري.
تعايش مع النفايات
هنا في مقلب أو مكب نفايات تعز، كل الكائنات تتعايش مع بعضها البعض: البشر والبقر، القطط والكلاب والحمير والماعز، طالما وهم يحملون هدفاً واحداً هو مقاومة الظروف القاهرة والتمسك بالبقاء.
هذا الرجل السبعيني يصطحب بقرته كل يوم إلى المقلب وهو يعلم أن حليبها سيتغير طعمه ورائحته، ولكن الظروف التي أجبرته لقضاء عمره وسط المقلب/ كما أجبرت الشاب محمود غالب الذي كان يحلم بإكمال تعليمه ليجد نفسه نباشاً للقمامة وتجميع المخلفات.
ويقول محمود بحسرة: ما فيش حكومة تدعمنا وليس لدينا وظائف ، معانا أطفال وغير مسجلين في الشؤون الاجتماعية، ونحن مضطرون أن نخرج أرزاقنا من هنا رغم تعرضنا لكل الأمراض.

إهمال للمعدات
منذ أكثر من عقدين من الزمن، أصبح المقلب خارجاً عن نطاق الخدمة ولم يعد بمقدوره استيعاب مخلفات مدينة كاملة يزيد تعداد سكانها عن 2 مليون نسمة. بعد وصول ارتفاعه إلى أكثر من خمسين متراً تقريباً، ويعمل المقلب بجرافة واحدة وبطريقة بدائية للتخلص من القمامة.
يقول عبد الودود، مشرف المقلب: ان كثرة المخلفات والأتربة التي نستقبلها هذه الأيام تفوق إمكانياتنا لأنه ليس لدينا معدات كافية وكل ما لدينا هو جرافة واحدة، فنضطر لاستئجار جرافات تقوم بسحب كمية التراب الذي يصلنا نتيجة للحملة التي ينفذها الصندوق الاجتماعي للتنمية.
وفيما يشكو عبد الودود ما أسماه الإهمال المتعمد للمعدات وعدم توفير قطع الغيار لها، يشير بليغ حسن وهو مسؤل المقلب في الفترة الصباحية إلى أن صيانة المعدات المتوقفة لا تحتاج إلى كثير من المال بقدر ما تحتاج إلى استشعار المسؤولية.
وأردف بليغ مستنكراً: بدلاً من أن يستأجروا معدات وشيولات لماذا لا يقومون بإصلاح معدات المقلب.
ويوضح: تصور أن إحدى المعدات متوقفة منذ سنتين بسبب ” شبكة الضفيرة” وأخرى بسبب “البمب”، بينما يدفعون لكل معدة من المعدات المستأجرة ما يقارب 20 ألف ريال في الساعة الواحدة وهو ما يدل على وجود الفساد والإهمال، ناهيك عن عدم إصلاح الميزان المتوقف منذ ثلاث سنوات.
ويستطرد: التدفق الكبير للأبقار إلى المقلب يزيد من معاناتنا ولا تستطيع البوابير إفراغ حمولتها من القمامة وإذا تعرضت إحداها للدهس يضطر الصندوق لتعويض ملاكها، ما لم فإنهم يستولون على معدات المقلب حتى يتم تعويضهم- حد قوله.
فساد منظم
الفساد في صندوق النظافة والتحسين قديم قدم الإدارات المتعاقبة عليه رغم عائداته الضخمة التي كانت تذهب إلى جيوب الفاسدين بدليل أن ما يصرف على تحسين المدينة لا يساوي شيئاً إذا ما قٌورن بمصادر دخل الصندوق وضآلة مايٌنفق على النظافة.
ومن صور الفساد أن الصندوق ظل لسنوات متعاقبة يرفض تثبيت عمال النظافة البالغ عددهم 1400عامل تقريباً، مستغلاً إياهم بعقود وأجور زهيدة وحرمانهم من كل الامتيازات والبدلات بما فيها بدل مخاطر وبدل علاج وغيره.
أما في جانب المعدات فحدث ولا حرج، فمعظم أحياء المدينة لا توجد فيها صناديق لحفظ القمامة وإن كانت مبررات المشروع ترمي بالكرة في مرمى من تقول إنهم لصوص البراميل يبيعونها لمصانع متخصصة بصهر الحديد وإعادة تدويره.
لكن ماذا بشأن معدات المقلب التي طالها الإهمال وأخرجها عن نطاق الخدمة؟ سؤال طرحته على صادق يحيى مدير المقلب علي أجد إجابة شافية لما آلت إليه معدات المقلب، فكانت تبريراته من أن المقلب يستقبل هذه الأيام مئات الأطنان من الأتربة والمخلفات نتيجة الحملة التي ينفذها الصندوق الاجتماعي. وبالتالي تم استئجار جرافات لهذا الغرض لأن إصلاح معدات وجرافات المقلب قد تحتاج وقتاً أطول.
ولم ينسَ أيضاً أن يبرر لعملية الإهمال لهذه المعدات وعدم إخضاعها للصيانة بما أسماها الأزمة المالية للصندوق نتيجة الأحداث التي عاشتها اليمن خلال العام الماضي، حيث كان في السابق من أكثر صناديق محافظات الجمهورية إيراداً، أما اليوم فقد أصبح يعتمد في تغطية المرتبات على قيادة المحافظة.
ويعتقد مدير مكب النفايات، أن هذا المقلب بوضعه الحالي لا يعد عن كونه كارثة بيئية وأن دراسات البنك الدولي والدعم المقدم من قبله لتحويله إلى مصنع لتدوير المخلفات وهو ما يسمى بالذهب الأبيض إذا تم فإنه في هذه الحالة سيغطي كل الاحتياجات ولن يحتاج صندوق النظافة إلى دعم من أحد، بما فيها إيرادات الكهرباء و إيراد مصنع إسمنت البرح وغيرها من المؤسسات.
شهادة وفاة
ويعترف وديع حسان القائم بأعمال مدير مشروع النظافة بتعز: أن هناك عشوائية فيما يتعلق بالمقلب ولا يتم التخلص من القمامة وفق طرق حديثة كما هو معمول في معظم دول العالم.
ويقول: هذا المقلب من العجائب وهو غير صالح للاستخدام في الوقت الحالي وقد انتهت صلاحيته ومشكلته، أنه مفتوح على كل الجهات وغير مسور ودخول المواشي و”النباشين” إليه وهذا لا يساعد على التخلص من المخلفات سواء الصناعية ومخلفات المستشفيات والقمامة وغيرها.
ويرى حسان أن المسؤولية تقع على قيادة المحافظة في الوقت الحالي، حيث كانت الخطة تقضي بإنشاء مقلب جديد بالرغم من وجود إعتمادات التعويضات لأراضي المواطنين وكان سيتم إنشاؤه وفقاً للأسس والمعايير الحديثة، أما الطريقة التي يتم من خلالها التخلص من القمامة فهي عن طريق الردم حيث يتم مسح القمامة ثم عمل طبقة من الأتربة عليها ومسحها.
ويشير القائم بأعمال مدير عام المشروع إلى أن المواطنين المجاورين للمقلب دائماً ما يعترضون على بقاء المقلب في نطاق مساكنهم، داعياً إياهم إلى التضحية في سبيل مجموعة كبيرة من الناس.
مضيفاً أن المشروع يعاني من عدم وجود المعدات الكافية في المقلب، إضافة إلى سرقة ما يقارب 500 صندوق من صناديق حفظ القمامة من مواقعها وهو ما أدي إلى رمي القمامة في الشوارع.
مشكلة إضافية
هذا المقلب/أو المكب تم إعداده لخدمة مدينة تعز في العام 1976. وكان تعداد سكان المدينة حينها لا يتجاوز 110 آلاف نسمة. وفي ذلك الوقت، كان موقع المكب يبعد 15 كيلو عن مركز المدينة.
أما الآن فقد أصبح مشكلة إضافية للسكان لأنه يقع في أطراف المدينة ومن حوله تنتشر المنازل وبالتالي فموقعه من حيث المبدأ لا يصلح أن يكون مقلباً للقمامة.
بالإضافة إلى حجم المخلفات التي ترمى فيه وتعدت سعته الكلية بحيث أصبح على ارتفاعات تتضاعف كثيراً من المرات للسعة التي أعد لاحتوائها.وهذا ما يشير إليه المهندس محمد البريهي مدير عام صندوق النظافة والتحسين بمحافظة تعز.
ويضيف البريهي: مشكلة المقلب الرئيسية أنه غير مسور، حيث أصبح مقصداً للكلاب الضالة وللحيوانات حتى الأليفة كالأبقار والأغنام القادمة من المناطق المجاورة والتي تذهب لترعى في المقلب ولا أبالغ في القول إن بعض الناس يرسل مواشيه إلى المقلب ويأتي بعد عشرة أيام ليأخذها وقد حصلت مشكلات بهذا الجانب. حيث في إحدى المرات حدث نفوق ما يزيد على أربعين رأساً من الأبقار داخل مقلب النفايات بشرعب، نتيجة تناول الماشية أغذية فاسدة. أو ربما كان فيها بعض المواد السامة.
المشكلة، أن هذه الحيوانات التي ترعى في المقلب إذا ما بيعت وتم ذبحها وأعطيت بشكل لحوم للمواطنين فإنها تكون قد حملت الكثير من الأمراض، فعدم تسوير المقلب يمثل مشكلة أخرى.
خطة البنك الدولي
كانت خطة البنك الدولي بالتعاون مع قيادة السلطة المحلية قبل خمس سنوات أن يغلق هذا المقلب نهائياً ويستثمر كحديقة بعد أن تجرى عليه بعض المعالجات ويتم تشجيره على أساس أنه يحتوي على الكثير من المواد العضوية الصالحة للزراعة يستخدم في المستقبل متنفساً للمدينة، وفقاً للمهندس البريهي.
ويشير البريهي إلى أن الدراسات المقدمة كانت تقضي حينها بإيجاد مقلب بديل وكان الاتفاق على أن يكون هذا المقلب مجاوراً لمحطة المخلفات السائلة في منطقة البريهي.
حيث جرت محاولات عدة لتوفير الأرض قوبلت بالرفض من قبل المواطنين. وبدأ التشاور على إيجاد مقلب آخر سيتم الشروع فيه خلال العام القادم في منطقة بعيدة عن المدينة وهو ما توصي به الدراسات البيئية.
إنتاج الطاقة
لسنوات عدة، ظل المسؤولون في السلطة المحلية في تعز، يتحدثون عن توجه المحافظة لتغطية العجز في التيار الكهربائي من خلال توليد الكهرباء من مكب النفايات. أو تحويله إلى مصنع لتدوير المخلفات.
آخر هذه التصريحات، كانت تتحدث عن إقامة حديقة كمتنفس للمدينة، وهلم جرا من وعود ذهبت جلها أدراج الرياح وهي لا تعدو عن كونها فرقعات إعلامية يطلقها المسؤولون في ساعة صفاء أمام عدسات الإعلام.
ويقول مدير عام صندوق النظافة والتحسين: ليس صحيحاً ما قيل عن تحويل المقلب إلى مشروع لتوليد الكهرباء، بل كانت الخطة تحويله إلى مصنع لتدوير المخلفات وصناعة أعلاف الحيوانات وهي إحدى المشاريع المرتبطة بإعداد وتجهيز المقالب.
كما يمكن إقامة مصنع للأسمدة على أن تستخدم الغازات المنبعثة من المقلب لإنتاج الطاقة، وهذه الطاقة تباع حتى عن طريق هيئة تخصصية تابعة للأمم المتحدة وإذا ما أحسن استغلال هذه الغازات وتم تجميعها فإن عائداتها يمكن أن تكفي للنفقات التشغيلية للمقلب.
سباق مع الزمن
يشير المهندس محمد البريهي، المسؤول مؤخراً بإدارة صندوق النظافة، بأنه يبذل قصارى جهده من أجل النهوض بواقع الصندوق. ولكنه كغيره من المسؤولين يرمي الكرة في مرمى الأحداث التي شهدتها البلاد مؤخراً، وأثرت على إيرادات الصندوق.
مضيفاً: لولا دعم قيادة السلطة المحلية مؤخراً ما كان للصندوق أن يواصل عمله في تقديم خدمة النظافة.
ويعترف البريهي بحصول سوء استغلال لقطاع الصيانة بالصندوق بشكل فاعل ونظراً لطبيعة المقلب الذي أصبح وكأنه مقبرة للمعدات نتيجة ما يسمى بالتغريز وعدم حفر الأخاديد بشكل مناسب لأن هذه التقنيات لا تتحمل في ظل الوضع الحالي للمقلب.
وبالتالي، فإن هذه المعدات تقتطع جزءاً من عمرها الافتراضي و تتعرض للأعطال بشكل مستمر وتحتاج إلى موازنات إضافية كي تكون جاهزة لأداء عملها بالشكل المطلوب.
السكان يستغيثون
يناشد سكان المناطق المجاورة لمقلب القمامة بسرعة وضع حد لمعاناتهم التي سببها لهم مقلب القمامة وهجِرهم عن منازلهم ودفعوا ثمن ذلك من صحتهم واستقرارهم.
يقول المواطن عبده محمد:نحن سكنا هنا قبل وجود المقلب الذي حول حياتنا إلى جحيم وقد قمنا بمسيرات للمطالبة بنقله، لكننا قوبلنا باللامبالاة، وكأن حياتنا رخيصة إلى هذا الحد.
ويضيف:نحن محاصرون في منازلنا حتى النوافذ لا نستطيع فتحها من كثافة الأدخنة المتصاعدة والروائح الكريهة المنبعثة من المقلب، كما لا نستطيع تعريض ملابسنا للشمس فإنها تتلوث وتصبح رائحتها كريهة.
مجاري مصنع السمن والصابون
لعل مما زاد الطين بلة وجود بحيرة المجاري الخارجة من مصنع الشركة اليمنية لصناعة السمن والصابون في الجهة المقابلة لمقلب النفايات. والتي ألقت بثقلها البيئي والصحي على حياة الناس ومياه شربهم، وأراضيهم.
ويقول أحد المواطنون: إن أراضيهم غدت غير صالحة للزراعة وأن الآبار القريبة منها تلوثت وأصبحت غير صالحة للاستخدام.
*المصدر: نقلاً عن جريدة (أخبار اليوم) العدد: (1390)، الصادرة في 15 نوفمبر 2012.