إحياء زراعة الدخن التقليدية في سقطرى

حصاد الدخن في قرية ريدا سقطرى 2017/تصوير: غانم الكباري

تقرير: عبد الواسع محمد عامر*

إن نشأتي في جزيرة سقطرى، قد سهلت لي مراقبة عملية تحسين الأنشطة الزراعية الخاصة بمختلف المحاصيل الزراعية، من الخضروات والفواكه في مختلف أنحاء الجزيرة خلال العقدين الماضيين.

في السنوات التي سبقت هذه الألفية، كانت معظم الخضروات والفاكهة يتم استيرادها من البر الرئيسي -من خارج سقطرى– بما في ذلك الخضروات الأساسية لإعداد الطعام مثل: البصل، والطماطم، والفلفل الحار. وبعد بضعة سنوات فقط أصبحت جزيرة سقطرى وسكانها أكثر عرضة للاتصال بالعالم.

ساعدت البنية التحتية المهمة مثل الطرق والمطار والميناء البحري، في تسهيل عمليات الاتصال، وساعدت في جذب الخبرات الجديدة والابتكارات التي لا زالت متواضعة، إلى الأفراد والمجتمعات المحلية في سقطرى.

علاوة على ذلك، فإن توافر وسائل الإعلام مثل التلفزيون، ورفع الوعي الزراعي باستمرار بدعم من الحكومة، ومن مختلف المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمشاريع، قد ساهم في تحسين الزراعة في الجزيرة.

ووفقاً لكبار السن في الارخبيل، فإن الدخن كان المحصول الأكثر زراعة في سقطرى خلال أوقات العزلة، كمصدر مهم للغذاء للمجتمعات المحلية. إذ يزرع السكان المحليون الدخن بشكل تقليدي في المدرجات في حقول تحاط بجدران من الحجارة مع سياج لمنع غزو الماشية مثل الأغنام والماعز.

حصاد الدخن في سقطرى 2017/ تصوير: غانم الكباري

 

كان الدخن Millet معروفاً لعدة قرون في اليمن، وذلك لقيمته الغذائية العالية مما يجعله مكوّناً مهماً في مطبخ المجتمعات الريفية. لا تستخدم فقط الأجزاء الصالحة للأكل من النبات، حيث أن أجزاء النبات الأخرى تستخدم كعلف للماشية، الامر الذي يساهم في تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية.

ومع ذلك، فقد توقف السكان المحليون عن زراعة الدخن بسبب توافر المواد الغذائية البديلة مثل: الأرز والقمح في السوق المحلية. يعتقد السكان المحليون أن هذا هو العامل الرئيسي الذي أدى إلى التخلي عن زراعة الدخن التقليدية.

وهكذا تُركت حقول زراعة الدخن خالية لعقود من الزمن، وكان المحصول مهدداً بالانقراض إلى أن بدأ برنامج الحفاظ والاستخدام المستدام للتنوع الحيوي (التعاون الدولي الألماني GIZ) بإطلاق مبادرة إحياء زراعة الدخن في سقطرى في العام 2013، من خلال إعادة تأهيل أنظمة زراعة الدخن التقليدية كجزء من مكون إدارة الموارد الطبيعية.

عمل هذا البرنامج على مستويات مختلفة من التدخلات، في تناغم مع شركاء التنمية الآخرين في مجال التنوع البيولوجي، وفي اصطفاف خلف سياسة الحكومة واستراتيجيتها في اليمن، وبالتنسيق مع شريكه الرئيسي هيئة حماية البيئة في سقطرى، وكان أحد أهم هذه المستويات هو تنفيذ تدابير مهمة في جزيرة سقطرى باعتبارها منطقة مهمة للغاية في حفظ التنوع البيولوجي في اليمن.

وفي هذا السياق، وضمن أنشطة أخرى، تم تحديد إعادة تأهيل أنظمة زراعة الدخن التقليدية في الجزيرة، من أجل تعزيز قدرة المجتمعات، من خلال توفير مصدر جديد للدخل والغذاء، ونمط للإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.

ومنذ العام 2013 وحتى العام 2018، عمل هذا المشروع على تقديم الدعم المالي والفني لإعادة تأهيل 172 حقلاً من حقول الدخن، والتي توجد في 38 قرية في سقطرى.

حتى الآن، استفادت من هذا النشاط 530 عائلة في سقطرى وحصلت على فائدة مباشرة، بالإضافة إلى قرابة 957 عائلة استفادت بفائدة غير مباشرة. وقد تم تنفيذ علمية إعادة التأهيل من قبل المجتمعات المحلية، من خلال إعطائهم إعانات محلية، وقد زود البرنامج لجان تنمية المجتمع المنتخبة بالتدريب المناسب والدعم الفني.

أيضاً، تم التركيز على تعزيز الأنظمة الزراعية والتسويق والإنتاج، من خلال تزويد المزارعين بتدريبات محددة واستحداث أنشطة زراعية مدرسية من أجل إدخال أفضل الممارسات والتقنيات الزراعية. وأثناء تنفيذ هذه المشروعات طيلة مراحل التنفيذ، استفادت النساء والرجال في القرى المستهدفة من أنشطة المشروع، وحصلوا على دخل خاص بهم.

إضافة إلى ذلك، قام برنامج الحفاظ والاستخدام المستدام للتنوع الحيوي بدعم المجتمعات المحلية واستطاع إعادة تأهيل 180 حقلاً من حقول القمح في 14 قرية في الارخبيل، وذلك بالتنسيق مع هيئة حماية البيئة، ومع إدارة الزراعة في سقطرى، وقد اكتملت في إبريل 2018، واستفادت منها حوالي 299 عائلة فائدة مباشرة من أنشطة إعادة التأهيل، بالإضافة إلى 637 عائلة استفادت بشكل غير مباشر.

وفي العام 2017، أجرى هذا المشروع تقييماً لإنتاج الدخن في 72 حقلاً، تمتلكها 201 عائلة مستفيدة (حوالي 1197 فرداً) على المدى الطويل في 15 قرية.

وقد أظهرت النتائج أن المحصول الإجمالي لموسم واحد بلغ حوالي 9,080 كيلوجرام، وباعت المجتمعات المستهدفة ما يصل إلى % 50 من الإنتاج وبالتالي حصلت على دخل. ساهمت أنشطة إحياء زراعة الدخن في تحسين الظروف المعيشية للمجتمعات المستهدفة.

وفي هذا السياق، فإن زيادة إنتاج الحبوب، والتنوع الغذائي (زيادة إنتاج مختلف الخضروات والفواكه) والحصول على دخل مستدام تُعد مؤشرات نجاح استثنائية، إضافة إلى الأثر الجيد للمبادرات المقترحة والتي اعتمدتها المجتمعات المستهدفة. وقد شكل هذا دافعاً للمجتمعات المحلية في جميع أنحاء الجزيرة، حيث بدأت 30 عائلة بإطلاق مبادراتهم الخاصة بزراعة الدخن بدون دعم من البرنامج.

ومنذ بدء الأنشطة في سقطرى، عمل البرنامج بالتنسيق مع السلطات المحلية ومختلف المؤسسات الحكومية، إلى جانب المنظمات غير الحكومية المحلية العاملة في الجزيرة، لا سيما هيئة حماية البيئة وإدارة الزراعة اللذان شاركتا في جميع مراحل تنفيذ المشروع من أجل ضمان اكتسابهما للخبرات والمهارات الإدارية.

وحيث أن البرنامج انتهى في يونيو 2018، كان من المهم جداً الحفاظ على الآثار الجيدة لمبادرة إعادة تأهيل زراعة الدخن، ولضمان فائدة طويلة المدى للمجتمعات المحلية، إضافة إلى الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.

لقد دعم هذا البرنامج إدارة الزراعة في مجال الإدارة الكلية، والإشراف على تنفيذ مشاريع إعادة تأهيل حقول الدخن في 9 قرى شملت (46 حقلاً) خلال العامين 2017 – 2018 كإعداد لإدارة الزراعة للقيام بأنشطة ومبادرات إدارة الموارد الطبيعية المحتملة في المستقبل.

وعلاوة على ذلك، قدم المشروع مختلف التدريبات لبناء قدرات السلطات المحلية في سقطرى، بما في ذلك رفع قدرات هيئة حماية البيئة وإدارة الزراعة اللتين دُربتا على «مهارات كتابة مقترحات المشاريع والتواصل مع الجمعيات غير الحكومية والمانحين على المستوى الوطني والدولي».

ونتيجة لذلك أنشأت إدارة الزراعة شبكة اتصال مع الصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، والذي قدمت له الإدارة في العام 2018، مقترحاً لتمويل مشروع لـ إدارة الموارد الطبيعية في أرخبيل سقطرى.

وتنتشر حالياً الأنشطة الزراعية في جميع أجزاء جزيرة سقطرى مع تحسينات ملحوظة، وبالتالي تتوافر في السوق المحلي مختلف أنواع الدخن المحلي والحبوب والفواكه والخضروات، وهي ليست بتلك الكميات التي يمكن أن تظل لفترات طويلة، لكنها ما تزال تمثل علامة جيدة للاكتفاء الذاتي للجزيرة في المستقبل القريب.

– المصدر:

* عبد الواسع عامر: هو المسؤول الفني، في برنامج الحفاظ والاستخدام المستدام للتنوع الحيوي في اليمن، التعاون الدولي الألماني GIZ. الرسالة الإخبارية TAYF، العدد 15، أكتوبر 2018. FOS/ بريطانيا.

الاشتراك في النشرة البريدية
الاشتراك في النشرة البريدية
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا من أجل مواكبة التطورات.
بإمكان إلغاء اشتراك في أي وقت
تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط