دمت: فوهة البركان التي نشأت بشكل مقلوب

فوهة دمت/ الضالع جنوب اليمن- حقوق الصورة عاصم البوسي

حلم أخضر – عبد الرحمن المحمدي*

تتخذ كل البراكين في العالم شكلاً مخروطياً على هيئة مثلث، تضيق فوهته من الأعلى، وتتسع قاعدة البركان بشكل أكبر من الأسفل. لكن فوهة بركان دمت في اليمن، عكس ذلك تماماً، مما يجعلها اعجوبة حقيقية بنظر الجيولوجيين. ففوهة بركان دمت، تتسع من الأعلى، وتضيق أكثر وأكثر كلما اتجهت الى الأسفل.

ويصنف الجيولوجيين منطقة دمت باعتبارها مدينة نائمة على فوهة بركان ملتهب. حيث فقد هذا البركان نشاطه منذ زمن سحيق. حيث كانت قديماً متنفساً لذلك لبركان هائج. كان البركان عنيفاً، ومن دمت تنفس ليخلف وراءه هذه المنطقة التي تعد قطعة من عصر الثورات البركانية التي شهدتها المنطقة في العصر الثلاثي وفقاً للدراسات الجيولوجية المحلية.

فوهة دمت الكبرى في مدينة الضالع – تصوير عبدالله اليزيدي

ونتيجة لذلك النشاط البركاني الهائل، خلف البركان منطقة غنية بالمياه الكبريتية الساخنة، ومجموعة فوهات بركانية طبيعية ضخمة ونادرة. فبعد سلسلة الثورات البركانية فقد هذا البركان في دمت نشاطه. وجعلت معادنه المنصهرة تجعل من المياه حمامات حارة تندفع بقوة من باطن الأرض عبر عيون طبيعية ساحرة. كما يرفع بها عبر منافذ الأحواض والآبار المفتوحة من قبل بعض المستثمرين بغرض تغذية حماماتهم بالمياه المعدنية الساخنة. لتلبية احتياج الوافدين والسياح إلى تلك المياه التي يبحثون عنها للاستشفاء والعلاج والتي أكد الخبراء الدوليون أنها تصلح للكثير من الأمراض الشائعة والمستعصية.

وبحسب احدى المصادر، فإن هذه الفوهات البركانية أصبحت تزين وجه المنطقة في دمت، وتتناثر في جغرافيا دمت عدد من الفوهات البركانية الساحرة والمدهشة، والتي تعرف علمياً باسم “النتوءات الكلسية”، فيما تعرف شعبياً “الحرضات” بحسب ما يطلق عليها السكان المحليون، لكونها تشبه الوعاء/ الإناء الشعبي (الحرضه) أو ما يسمى حرضة “السلتة” وهي وعاء مصنوع من الصخور والحجر الجرانيتي ماتزال تستخدم في الموائد اليمنية حتى اليوم.

دمت: الموقع والتاريخ

تقع فوهة دمت، في مدينة دمت التابعة لمحافظة الضالع، الواقعة جنوب العاصمة اليمنية صنعاء على بعد 245 كيلومتراً. وهي من مستوطنات السكنى القديمة للإنسان، بحكم محيطها الجغرافي الخصب، وتوفر المياه العذبة بغزارة في وديانها المتفرعة من وادي بناء بمحافظة إب على مدار العام، وكثرة الأشجار المثمرة، وكثافة الأعشاب فيها. ويمكن الصعود إلى أعلى فوهة دمت عن طريق سلالم حديدية تم انشائها للصعود الى الفوهة، منتصف سبعينات القرن الماضي. ويصل عدد درّج السلالم الى أكثر من 500 درجة.

فوهة بركان دمت – الضالع اليمن/ حلم أخضر

وفي العصور التاريخية القديمة، كانت دمت ضمن إطار مناطق نفوذ الدولة الأوسانية، ثم آلت إلى وريثتها الدولة القتبانية من القرن السابع قبل الميلاد، حتى أفول الدولة القتبانية في مطلع القرن الأول الميلادي. ثم وقعت دمت تحت سلطة الريدانيين حتى مطلع القرن الخامس الميلادي. وقد تركت مراحل تعاقب الحضارات أثرها على مدينة دمت الغنية بمواردها الزراعية، وحماماتها الطبيعية، بالكثير من الشواهد الأثرية.

التركيب الجيولوجي لفوهة بركان دمت

في طليعة التغيرات التي أحدثتها الحركات التكتونيية في باطن الأرض، والانشطة الزلزالية، والتي جسدتها حقبة الثورات البركانية “التغيرات الظاهرية” في منطقة دمت. وبالتالي أنتجت مجموعة من الفوهات البركانية المتناثرة على قمم وقيعان مديرية دمت، والتي يبلغ عددها 7 فوهات بركانية، وتسمى محلياً (حرضات) وهي متفاوتة الأحجام والأشكال.

فوهة دمت عن بعد – الضالع

جميع هذه الفوهات، عبارة عن هضاب كلسية مخروطية عريضة القاعدة، يقل عرضها كلما ارتفعت إلى الأعلى، وهي مجوفة من الداخل. إضافة إلى أعماق تجاويفها المتفاوتة التي لا تخلو من وجود المياه الهائجة في غليانها بشكل دائم والتي لو سقط حيوان أو إنسان في قعرها لسلق جسده خلال بضع دقائق من شدة فورانه.

أكبر تلك الفوهات تسمى فوهة البركان الأكبر، والشهيرة باسم فوهة دمت (الحرضة الكبرى) تقع شرق مدينة دمت، ويراها القادمين إلى المدينة من الاتجاهين عبر طريق صنعاء وعدن على بعد 3 كيلومتر. وتقع قاعدتها على مساحة تقدر حوالي 200 متر مربع. أما ارتفاعها يصل إلى حوالي 100 متر. وتصل مساحة علوها إلى حوالي 100 متر مربع.

ان فوهة هذا البركان الأكبر في دمت، يصل قطرها إلى حوالي 50 متر، أما عمقها يصل تقديرياً لقرابة 120 متر. وتتفاوت المسافات بين جدار الفوهة وحافة البركان الخارجية، أو كما تسمى بالحرضة بحوالي 20،25، 35، 40 متراً بكل اتجاهاته الملتوية.

التركيب الجيولوجي لفوهة دمت من الداخل تظهر تكلسات الكبريت باللون البرتقالي

حمامات المياه الكبريتية في دمت

تشير احدى الدراسات والأبحاث من قسم الجيولوجيا في جامعة تعز للعام 2004، والتي أجريت على اختبار المياه الكبريتية لحمامات دمت الكبريتية، بأنها تتمتع بخصائص علاجية هامة طبقا لتلك للفريق الجيولوجي لجامعة تعز، وهي مياه من نوع الكالسيوم ـ البيكربون ـ الكلوري، ومؤشرها الهيدروجيني يصل إلى 6,9 وهي من المياه النادرة التي تتميز بخصائص علاجية واستشفائية محبذة لدى الكثير من الناصحين والمختصين في مجال التداوي الطبيعي بالمياه البركانية.

احد حمامات المياه الكبريتية في منتجع دمت السياحي – الضالع

وبحسب احدى المصادر، كانت عدد الحمامات الحارة داخل مدينة دمت تقدر بقرابة 20 حماماً للمياه الكبريتية، وهي موزعة على مساحة لا تزيد عن 1,5 كيلومتر مربع. بعض هذه الحمامات توقف عن العمل نتيجة الإهمال وجفاف ينابيعها، والبعض الآخر توقف بسبب منافسة الحمامات الحديثة التي أقامها مستثمرون محليون بمواصفات حديثة، مزودة بملحقات للإقامة والسكن، مما جعلها أكثر جذبا للزوار من مختلف مناطق اليمن.

السلالم المؤدية الى اعلى فوهة دمت في الضالع

ويشير الصحفي عبدالكريم سلام، في تقرير نشره في جريدة “البيان“، أنه توجد هناك حمامات خاصة داخل بعض منازل مدينة دمت، وهي غير متاحة للعموم، فيما يصل عدد الحمامات المتاحة لعموم الزائرين حاليا هي 9 حمامات فقط. وتنساب في بعضها المياه الحارة من الينابيع الصخرية العلوية، والبعض الآخر تتدفق مياهها من فوهات أرضية بغزارة وقوة كبيرة. وتتفاوت كميات المياه المتدفقة من ينبوع إلى آخر حيث تصل في أكثرها غزارة إلى 80 لترا إلى 70 لترا في الثانية وفي أدناها تقدر بحوالي 20 إلى 15 لترا في الثانية.

* بتصرف: قام حلم أخضر بإعادة تحرير وتحديث المعلومات والمصادر لهذا التقرير.

الاشتراك في النشرة البريدية
الاشتراك في النشرة البريدية
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا من أجل مواكبة التطورات.
بإمكان إلغاء اشتراك في أي وقت
تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط